الجذور التاريخية للقومية العربية

مارس 19th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , فكر البعث

الجذور التاريخية للقومية العربية 

لا بد لي أولا من أن اعتذر لأحد رفاقكم المؤرخين لاستعارتي هذا العنوان لمحاضرتي اليوم. ولعلكم قرأتم كتابا صغيرا اسمه "الجذور التاريخية للقوية العربية" للدكتور عبد العزيز الدوري. وأنا أبيح لنفسي هذه الاستعارة لا سيما وأنني قد ناقشته في كتيبه هذا وعارضت كثيرا مما جاء فيه لأنه يمثل في رأيي النظرة التاريخية الكلاسيكية التي لم تتغير خلال الخمسين عاما الماضية إن لم يكن المائة عام الماضية. 

وأنا غير معتد عليه. وإنما سأستعمل هذا العنوان لوضع نظرة جديدة للجذور التاريخية للقومية العربية مستمدة من نظرة تستند إلى مفهومنا البعثي للتاريخ. وفي الواقع إذا كان البعث موقفا من الإنسان والتاريخ فلا بد أن يكون له موقف واضح يختلف به عن المواقف التقليدية الكلاسيكية المعروفة.

في ذلك الكتيب "الجذور التاريخية للقومية العربية" يتحدث الدكتور عبد العزيز الدوري عن موضوعين مختلفين تماما:

الموضوع الأول:  

هو الجذور التاريخية للقومية العربية كما فهمها هو وفهمها معظم المؤرخين التقليديين.  
 
 

الموضوع الثاني:  

هو الجذور التاريخية للوعي القومي العربي الحديث . وهذا موضوع مختلف تماما عن جذور القومية العربية. وهذا الخلط بين الموضوعين ناتج عن الخلط بين القومية من حيث هي انتماء وبين القومية من حيث هي حركة تحرر. وأنا أريد أن حصر حديثي اليوم في الموضوع الأول وأريد أن أبدأ بطرح بضعة أسئلة وأحاول أن أجيب عنها.

السؤال الأول الذي يفرض نفسه علينا في أول الحديث هو " متى يبدأ التاريخ العربي؟".

وللإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نطرح أسئلة فرعية أخرى قبل ذلك السؤال الأول الذي لا بد لنا من طرحه وأولها هو " ما هو التاريخ العربي؟".

هل تاريخ العرب أو التاريخ العربي هو تاريخ العرق العربي؟

نحن لا يمكن في الواقع أن نتحدث في القرن العشرين عن عروق نقيه في أي مكان في العالم. لعلنا يمكن أن نتحدث في بعض الأحيان عن بعض العروق شبه النقية في بعض الجزر المنعزلة تمام الانعزال عن التطور الحضاري أو في بعض رؤوس الجبال المنعزلة عن العالم تمام الانعزال. ولكننا لا يمكن أن نتحدث بالفعل عن العروق في الشعوب التي تعيش على وجه الكرة الأرضية بشكل عام. هناك أبحاث في ذوي الرؤوس المستديرة وذوي الرؤوس المستطيلة وذوي الأنف الاقني وذوي الأنف الدقيق والشعر المجعد واللون الأبيض واللون الأسود واللون الأحمر. على أننا نبالغ كثيرا في الواقع إذا اعتقدنا أن هناك مجموعات كبيرة من هذا النوع نقية موجودة على سطح الكرة الأرضية.

ذلك أن التنقلات السكانية في الأزمة السحيقة كانت في الواقع تنقلات واسعة جدا تكاد تزيد على التنقلات القائمة حاليا. لا سيما أنهم كانوا يعيشون في أزمنة ليس فيها جوازات سفر ولا مخابرات ولا تصريح بالخروج. فبمجرد أن تجوع القبيلة كانت تنتقل من مكانها إلى مكان آخر. وإذا رجعنا إلى الأزمنة السحيقة فيجب أن نذكر على الأقل فيما يتعلق بوطننا العربي أن هذا الأخدود الممتد من أنطاكيا إلى باب المندب والذي يضم فيما يضم غور الأردن والبحر الميت والبحر الأحمر ، هو تغيير جيولوجي حديث فصل بين قارتي آسيا وأفريقيا ، اللتين كانتا قبل ذلك متصلتين. فالتنقلات السكانية في الواقع كانت واسعة.

كما أننا نحن ، لا علماء الانثروبولوجيا ، نخطئ اليوم خطأ كبيرا حين نعتاد على حكاية النسب والأنساب. نحن نعلم في علم الأجنة اليوم وفي علم الوراثة أن الخصائص الحقيقية في الإنسان لا يمكن أن تأتي عن أبيه فقط حتى ننسبه إلى أبيه ، وإنما تأتي من أمه أيضا بنفس القدر على الأقل. من هنا فإن نقاء الأب وتاريخ الأب كلام لا يستند إلى أي حقيقة علمية على الإطلاق. كذلك ، ففيما يتعلق بالعرق العربي بالذات فإن علماء الانثروبولوجيا منقسمون إلى قسمين: قسم يقول بأن العرب عرق واحد وقسم يقول بأن العرب عرقان عرق الجنوب وعرق الوسط والشمال. على أي حال فإن مسألة العرق وتاريخ العرق لا تخصنا في هذا الحديث إطلاقا. وبالتأكيد فإن العرب اليوم على الأقل لا يمكن أن ينتسبوا عرقيا إلى عرق واحد بعد ما امتدت بهم الأرض.

فإذا لم يكن تاريخ العرب هو تاريخ العرق العربي فهل هو تاريخ عهد الكلام بلهجة قريش؟ الشائع الآن هو أن تاريخ العرب هو ذلك التاريخ الذي يبدأ بالفترة التي انتشرت فيها لهجة قريش أو بعض اللهجات المقاربة للهجة قريب وعمت الجزيرة. فبعضهم يرجعها إلى القرن الأول قبل الهجرة وبعضهم يرجعها إلى ما قبل ذلك بقرون.

لماذا تنشأ هذه الأسطورة ؟ لماذا يبدأ تاريخ العرب من حيث تبدأ لغتهم الحاضرة؟ هذه الأسطورة تنشأ من حقيقة أن الحضارة العربية التي عمت الوطن العربي بعد الإسلام هي حضارة قامت على نواة أساسية واحدة هي القرآن الكريم لغة ودينا وفلسفة وعقيدة وفقها وتاريخا وما شاكل ذلك. فالجذر الأساسي أو النواة الأساسية لهذه الحضارة كان دائما أنها حضارة لغة وحضارة قرآن بالذات. 

فلقد اشتغل العربي بالعلم والرياضيات وبالطب وبالفلسفة وبالفلك وما شاكل ذلك. ولكن الطابع العام لكل الحضارة العربية لم يكن طابع الفلك ولا طابع الكيمياء ولا طابع الفلسفة بل كان طابع اللغة وطابع العقيدة. فإذا ربطنا اليوم بين حضارة اللغة وبين أن تاريخ العرب هو تاريخ لغتهم فنحن لا نبعد كثيرا عن الحقيقة ولكننا أيضا لا نأخذ إلا جزءا من الحقيقة. إذ لا يجوز لنا أن نخلط بين اللغة السائدة وبين مجموع الحضارة وتطورها على مدى التاريخ.  

فإذا لم يكن تاريخ العرب هو تاريخ العرق العربي وإذا لم يكن أيضا تاريخ الكلام لهجة قريش أو ما يقرب من لهجة قريش فما هو تاريخ العرب؟ هل هو استعمال كلمة العرب؟ إن العرب كما لا بد لنا أن نعرف هم فرع واحد من فروع التطور الحضاري الكبير النابع من وسط الجزيرة العربية المتوزع والمنتشر في أطرافها. ولا يمكن بسهولة أن نقول أن جميع من هاجر م الجزيرة العربية وأنشأ حضارات حول الجزيرة العربية هم عرب وأن نسكت على ذلك. كثيرون لا بد أن يتهمونا ، إذا فعلنا، بالتعصب وبافتعال التاريخ. فالآشوريون والكنعانيون والكلدانيون لهم صلة بتاريخ العرب. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقول أنهم عرب لهم صلة بتاريخ العرب. ولكننا لا نسمح لأنفسنا بأن نقول أنهم عرب ونكتفي بهذا القول. فالعرب هم فرع من فروع التطور الحضاري الكبير الذي نشأ من الجزيرة العربية وانتشر في الأقطار المجاورة. هذا الفرع تمكن بعد الإسلام وبعد القرآن من امتصاص جميع الفروع التي كانت قد انبثقت من الجزيرة العربية من قبل. تمكن من امتصاص هذه الفروع ومن صهرها في ذاته ، بحيث صبت الروافد العديدة التي صدرت من الجزيرة العربية في حضن التيار الكبير الذي هو التيار العربي المتمثل بشكل خاص بحضارة عربية مستندة إلى القرآن وإلى الإسلام. إذن فمن منبع الجزيرة العربية انبثقت روافد حضارية عديدة ، اكديون وكنعانيون وأغاريتون وسبأيون ، ثم عاشت مع بعض هذه الحضارات الحضارة العربية التي نطلق عليها الحضارة الجاهلية. وحين نزلت الرسالة أصبحت نقطة انطلاق ما لبثت أن تمكنت من جمع هذه الروافد وصهرها جميعا في رافد الحضارة العربية الجديدة الناشئة عن القرآن والإسلام ثم انتشرت بعد ذلك ، لا بشكل خطوط كما فعلت قبل الإسلام ، ولكن بشكل إشعاع مستمر على الوطن العربي جميعا. فإذا سألنا أنفسنا هل ما قبل العرب جزء من التاريخ العربي لقلنا نعم لأن المنبع واحد ولأن المصب واحد. وروافد عديدة صبت جميعها في مصب واحد . إذن هي عربية في المصب هي إذن جزء من التاريخ العربي.

فنحن حين نسأل أنفسنا السؤال الأول الذي أطلقناه في أول الحديث وهو ما هو التاريخ العربي ، متى يبدأ التاريخ العربي؟ لقلنا أن التاريخ العربي يبدأ منذ القدم منذ بدء الحضارة الإنسانية. لأن التاريخ العربي هو جماع كل ما ألقي في هذا الرافد الكبير من حضارات أفرزتها الجزيرة العربية قبل ذلك.

على أن الوطن العربي كما نعرفه اليوم ليس هو الجزيرة العربية وليس هو حوافي الجزيرة العربية المتمثلة بالدرجة الأولى ببلاد العرا

المزيد


حزب البعث العربي الاشتراكي … في سطور

مارس 19th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , فكر البعث

حزب البعث العربي الاشتراكي

تعريفات عامه:  

1-   البعث العربي الاشتراكي فكر عقائدي ثوري قومي الأهداف، سياسي الاتجاه، روحي الطابع

2-   وحزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب المتبني ذلك الفكر والمؤمن بتلك الأهداف والقيم والمكافح في سبيل تحقيقها.

3-   وحزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب المؤمن بالحركة الروحية الإيمانية الايجابية التي تتوافق مع الدين بعيدة عن الجمود والنفعية والنفاق.

4-   وحزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب المنبثق من أبناء الشعب العربي ، والمتأسس داخل وطنه العربي , والمرتبط بوجود الجماهير العربية التي تعبر عن مصالحها وتسعى لتحقيقها عبر مراحل التحول للامه على امتداد عشرات السنين ومئاتها . وهذا ما يسمى بالتفاعل الوظيفي فيما بين الحزب الأصيل والمجتمع الذي ينشأ فيه.

5-   ولم يكن من خصوصيات حزب البعث العربي الاشتراكي أن يكون مرتبطا بظهور شخص أو أشخاص معينين، أو بفئة محدودة، أو بأحداث وعوامل ليست بعيدة الغور في صنع الحياة  

مفاهيم البعث وخصائصه: -    

يكمن السر في انجذاب الأجيال الجديدة للبعث والانتماء إليه في خصائص ومفاهيم البعث ومزاياه وفي مفهومة القومي وفي شموله سائر الأقطار العربية بسبب وحدة فكره وتنظيمه وفي أهدافه وأساليب عمله وخطط نضاله، وفي تاريخه الحافل بمآثره وصفاء ونقاء سيرته  

البعث ينظر إلى العرب باعتبارهم امة واحدة كريمة الأصول والنشأة عريقة الحضارة ذات تاريخ طويل مشرف قدمت خلاله للإنسانية مناقب جمة ومحامد كثيرة. وما تفرق الأمة في وقتها الحاضر وتجزئتها إلى دويلات هزيلة إلا أمرا طارئا فرضه الاستعمار والصهيونية. وعززته عوامل الرجعية والجهل والتخلف والأنانية والطمع وضيق الأفق، مما مزق جسد الأمة وما تزال تسعى إلى تعميق شرذمتها مما اقتضى " البعث " إلى جعل مفهوم " الوحدة العربية "في مقدمة أهدافه كي يعيد للأمة وحدتها ولحمتها وينقذها من فرقتها إلى وضعها الطبيعي وتشفيه من سائر عيوبه وأمراضه.  

إن هدف البعث الأول هو " الوحدة العربية "  

" الحرية" طريق التحرير:- 

من أهم الأهداف الأساسية للبعث السعي لتحرير الوطن العربي من الهيمنة الأجنبية، وتحرير الأمة من العوامل المكبلة لها ولأفرادها من عوامل التسلط والاستبداد والقمع من اجل الاستقلال والاستئثار بمقدرات الأمة وسلبها ثرواتها, مما جعل من أهم الأهداف للبعث المجاهدة لتحرير الأمة وتحقيق " حريتها" وإطلاق إرادتها المستقلة لتعزيز شخصيتها واستعادة قوميتها وإنسانيتها وتوفير مناخ ديمقراطيتها " فالحرية " إذن هي الهدف الثاني من الأهداف الأساسية التي يكافح " البعث " من اجل تحقيقها.  

"الاشتراكية " والعدالة الاجتماعية:- 

ومن أهم أهداف " البعث " أيضا تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق تر

المزيد


البعث ومسألة جنوب السودان (دراسة)

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , فكر البعث

 

 
البعث ومسألة جنوب السودان (دراسة)
تمهيــــــــد :
دور الاستعمار البريطاني في خلق مشكلة الجنوب
تشكل قضية جنوب السودان إحدى القضايا المزمنة والموروثة من العهد الاستعماري البريطاني في السودان (1898-1956) ، حيث فشلت الحكومات المتعاقبة على حكم السودان بعد الاستقلال في وضع حل جذري وحاسم لها وظلت الحرب الأهلية الطويلة في الجنوب تستنزف إمكانيات السودان البشرية والاقتصادية وتكبل قطرنا من السير في طريق التنمية والتطور والاستقرار ، وتشل دوره في حركة النضال العربي والأفريقي من أجل الوحدة والنهوض ومواجهة التحديات الاستعمارية الجديدة .
لقد كانت السياسة البريطانية في جنوب السودان منسجمة مع السياسات الاستعمارية الغربية عموماً تجاه أفريقيا .. تلك السياسة التي قامت على نهب ثروات شعوب القارة وإستعباد شعوبها ، ومسخ هوياتهم تحت شعار ( عبء الرجل الأبيض) ، وإذا كانت أفريقيا قبيل تلك المرحلة تتفاعل ومنذ أمد بعيد مع الثقافة العربية الاسلامية وبدرجات متفاوتة ، كانت السياسة الاستعمارية الغربية تتركز على استئصال عمليات التفاعل والتكيف الثقافي الحر عبر الاتصال الثقافي والاقتصادي بين شعوب القارة .
وإذا كانت بريطانيا تفاخر بأن سياستها الاستعمارية بوجه عام كانت تقوم على إحترام الخصائص الثقافية والأنثروبولوجية لشعوب المستعمرات ومارست هذا الشعار فعلاً في الكثير من مستعمراتها .. إلا أنها مارست العكس تماماً فيما يتعلق بجنوب السودان .. حيث عملت على تغيير إتجاهات أبناء الجنوب بالضد من اخوانهم في الشمال .. وعبر وسائل خبيثة وحاقدة تقوم على الدعاية السوداء والحرب النفسية ، وعندما شعرت بقصور هذه السياسة لجأت الى أساليب القوة بخلق المناطق المقفولة ، وفرض ثقافتها الانجليزية ذاتها على الجنوب .
إن سياسة الدمج الثقافي التي مارسها الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي ، والتي كانت تصفها بريطانيا ( بالغباء ) .. إلآ أنها مارست فعلاً هذا الغباء في جنوب السودان . تلك السياسة التي اتسمت بالتخبط والتناقض .. لم يكن دافعها إقتصادياً فحسب ، بل (الحقد ) والتعالي العنصري ، على الثقافة العربية الاسلامية ، التي قاومت سياساتهم الاستعمارية بشراسة في الشمال الأفريقي ( المهدي ، عرابي … الخ ) .
يركز هذا المبحث على تتبع الجذور التاريخية للسياسة البريطانية في جنوب السودان ، والأساليب التي اتبعتها في خلق الحاجز النفسي بين أبناء جنوب السودان وشماله ، والقائمة على الكذب وتشويه الحقائق التاريخية ، وممارسة كل أشكال التضليل .. ورغم أن هذه السياسة فشلت تماماً في تطوير الجنوب وتنميته ، لكنها نجحت الى حد كبير في خلق المشكلة بين الشمال والجنوب .
الجنوب في ظل الاستعمار التركي (العثماني) للســــــــــودان 1821-1885 :
لم تشمل حدود مملكتي الفونج والفور العربيتين الاسلاميتين مناطق الجنوب الحالي ، حيث كانت قبائل بحر الغزال والاستوائية تعيش في حروب قبلية مستمرة ، ورغم ذلك كانت هنالك إتصالات تجارية محدودة بين الجنوب والشمال .. تعوقها العوامل الجغرافية وصعوبة المواصلات .
ومع الغزو التركي ( العثماني) للسودان 1821 .. خضعت البلاد لأول مرة لحكومة مركزية واحدة ، إمتد نفوذها الاداري حتى بحيرة فكتوريا ، وأصبح السودان بأسره جزءاً من الامبراطورية العثمانية . ومنذ ذلك التاريخ أصبح جنوب السودان قبلة للمكتشفين والرحالة ، والتجار .. وكان هاجس إعادة إكتشاف منابع النيل ، وجمع المعلومات في الجنوب من أبرز المسائل التي إهتمت بها الادارة التركية .
كما أدى نشر مؤلفات الرحالة . وتوطيد النظام الاداري إلى مضاعفة إهتمام التجار بالجنوب ، وفتح أبوابه على مصراعيها للنفوذ الخارجي . حيث كان النيل هو الطريق الوحيد الذي يربط بين الشمال وشقي أفريقيا ، كما أن مياه النيل كانت تشكل شريان الحياة لمصر . وشهدت تلك المرحلة إندفاع الدول الاستعمارية الغربية للغزو التنافس على إحتلال أفريقيا ونهب ثرواتها .
وعندما عينت السلطات التركية (الجنرال غوردون) البريطاني الجنسية مديراً لمديرية الاستوائية .. قام بتشجيع الارساليات المسيحية الغربية للعمل في جنوب السودان .. ففي عام 1871 حرر خطاباً لاتحاد الارساليات الانجليزية داعياً اياها للعمل بمديريته . وكانت الثقافة العربية الاسلامية في ذلك الحين تتقدم ببط وسط القبائل الوثنية . حيث أن السياسة التركية في السودان لم تول جهودها أي اهتمام بنشر الثقافة العربية الاسلامية . حيث تركزت جهودها في إقامة حاميات في المداخل الرئيسية لطرق التجارة .. لغرض تنظيم تجارة الرقيق وسن الفيل مع الاداريين البريطانيين والغربيين الذين إستعانت بهم السلطات التركية في حكمها للسودان .
ورغم ذلك قاومت القبائل الجنوبية ، الادارة التركية ، ونشاط الارساليات والتجار الأجانب بعنف ، مما عرضها لحملات تأديبية واسعة ، ساهمت في اضعافها وخضوع بعضها . في نفس الوقت الذي كانت فيه القبائل السودانية الشمالية تقاوم المستعمر وتواجه حملات الدفتردار الانتقامية .
من هنا يمكن الاستنتاج بأن الادارة التركية لم يكن لها إلا أثراً سطحياً على جنوب السودان من حيث تفاعله مع الشمال .. بل هي التي ساهمت في فتح الجنوب للنفوذ الأجنبي الغربي والحملات التبشيرية وتجارة الرقيق في جنوب السودان وشماله .
2- الجنوب في ظل الثورة المهدية 1881-1898:
عندما إندلعت الثورة المهدية في شمال السودان تحالفت معها القبائل الجنوبية ضد الاستعمار التركي .. ورغم ذلك لم تتمكن الثورة المهدية من توطيد وبسط نفوذها في كل أرجاء الجنوب حيث تراجعت جيوش المهدية نحو الشمال بعد أن إصطدمت بالجيش البلجيكي المرابط في الكونغو .. كما أن المهدي كان يتطلع لحشد قواته نحو الشمال بهدف تحرير مصر . لذلك لم يرغب في إشغال نفسه بمعارك جانبية في الجنوب تشتت قواه .
لقد إنتهز الجيش البلجيكي هذه الظروف ليسيطر على منطقة اللادو في جنوب السودان . ورغم ذلك أدى قيام الثورة المهدية الى الحد من النفوذ الاستعماري في أغلب جنوب السودان .. ومن أبرز إنجازات الثورة المهدية إنها حرمت تجارة الرقيق تحريماً قاطعاً ، خاصة في عهد الخليفة عبد الله التعايشي .
3- الجنوب في ظل الاستعمار البريطاني (1898 - 1956 ) :
بعد الغزو البريطاني للسودان وإحتلاله في عام 1898 وقع الجنوب مرة أخرى تحت النفوذ الأجنبي - وبرز الصراع البريطاني الفرنسي - البلجيكي على منطقة اللادو .. ويعكس الصراع الاستعماري على الجنوب أهميته الستراتيجية والتجارية بالنسبة للدول الاستعمارية .
لم يسلم أبناء الجنوب بالهيمنة الأجنبية . بل دخلت القوات البريطانية في معارك طاحنة مع القبائل الجنوبية . خاصة مع قبائل النوير والدينكا العاليات واللادو وغيرها .. لذلك واجهت السلطات البريطانية مشكلتين أساسيتين في جنوب السودان مع بداية الاحتلال:
1- توطيد النظام الاداري وإخضاع وتأديب القبائل المعادية له وذلك بانشاء حاميات تحت اشرافه ، حيث لم تستتب الأمور إلا بعد إنشاء تلك الحاميات في عام 1900 حيث إقتصرت جهودها في بادئ الأمر على سيطرتها على المناطق والمراكز التي سبق للادارة التركية السيطرة عليها .
ومع إكتمال إخضاع الجنوب نشطت السلطات البريطانية من جديد في تشجيع عمل الارساليات المسيحية الغربية .. ولم يكن هدف هذه الارساليات هو مجرد القيام بالتبشيرالديني .. فإن كان الأمر يتعلق بهذا الشأن فلا إعتراض على ذلك ، ولكنها كانت تقوم بدور سياسي ودعائي خبيث يستغل الغطاء الديني لتحقيق أهداف الاستعمار البغيض . وكانت الدعاية الدينية لا تقوم على قيم المحبة والسلام كما هو شأن الدين المسيحي ، وإنما كانت تقوم أساساً على إثارة الحقد والبغضاء ، ونشر الكراهية بين أبناء الجنوب وإخوانهم في الشمال .. برغم أن الشماليين أنفسهم كانوا خاضعين للاستعمار التركي وقاوموه في أروع وأشجع ثورة وطنية وهي الثورة المهدية ، وحاولت هذه الارساليات تحميل الشماليين أوزار وجرائم الاستعمار التركي ، برغم معرفة البريطانيون ومخططي الارساليات الغربية بمواقف العرب مسلمين ومسيحيين من الاستعمار العثماني ، وكيف قاوموه ببسالة في ثورات مشهودة في المشرق والمغرب ، برغم ذلك كان الخطاب الدعائي الاستعماري للارساليات الغربية يتعمد الخلط بين العرب والأتراك .. ويصور لأبناء الجنوب بأن العروبة والاسلام هي الثقافة التي مارست الرق في السودان ، والايحاء بأن العرب والمسلمين في الشمال هم الذين يتحملون تلك الجرائم برغم أنهم كانوا أول ضحايا الاستعمار التركي والبريطاني وجرائمه .
مخططات فصل جنوب السودان ومحاربة الثقافة العربية الاسلامية:
في عام 1911 تقدم مدير مديرية منجلا ومنطقة اللادو (ر.س أوين) بإقتراح للحكومة المركزية يكون هدفه (( تكوين مجموعة كبيرة من الأفراد المسيحيين الجنوبيين ترتبط مع الزمن بسكان يوغندا ، وتكون حائلاً دون انتشار الدين الاسلامي )) . وفي عام 1918 إعتبرت الادارة البريطانية يوم الأحد عطلة رسمية بالجنوب واللغة الانجليزية هي اللغة الرسمية فيه .
وفي عام 1920 كتب أوين يقول : (( لقد حان الوقت لفصل هذه المديرية ( أي مديريته ) عن باقي أجزاء السودان . أو اقرار سياسة أكثر حزماً بالنسبة للادارة )) (1) .
وفي مذكرة قدمت للجنة (ملز) أوضحت الحكومة البريطانية سياستها الانفصالية تجاه الجنوب ، حيث قالت : (( إن الحكومة عازمة على إستبعاد أي نفوذ للدين الاسلامي عن الجنوب (..) وأن يوضع في الاعتبار إحتمال فصل جنوب السودان ( الأسود) )) عن شمال السودان العربي . وإرتباط الجنوب ببعض بلدان أفريقيا الوسطى(2) .
ومنذ عام 1921 إتجهت الادارة البريطانية إلى اتباع سياسة محددة في جنوب السودان ، قامت على محورين :-
1- العمل على استبعاد المآمير المصريين وتدعيم سلطات مفتش المركز البريطاني في كل مديرية .
2- إقامة محاكم قبلية من رؤساء القبائل لتطبيق أحكام العرف القبلي .. وفي عام 1922 صدر قانون الجوازات والهجرة . وقد منح هذا القانون الحاكم العام البريطاني الحق في أن يعتبر أية منطقة شاء ، منطقة مغلقة ، كما أعطت المادة (22) للحاكم العام الحق في اعتبار أية منطقة .. منطقة مقفولة كلياً أو جزئياً سواء للسودانيين أو غيرالسودانيين ، وأعطت المادة (23) الحاكم الحق في أن يعتبر أي منطقة مغلقة بالنسبة للتجارة الخارجية ، وفي أن يعتبر أي جزء من السودان منطقة مقفولة للتجارة إلا بالنسبة للأهالي المحليين الذين يقيمون بالمنطقة . وكان للحاكم أيضاً بمقتضى المادة (29) الحق في منع العمال من أي جزء من السودان من ممارسة العمل خارجه أو في أي مكان آخر بالسودان (3)! .
وفي عام 1924 وزع المستشار السياسي المختص في علم الأجناس (ج. هـ . دريبيرج) مذكرة عن الصعوبات التي تنشأ في وجه سياسة تدعيم النظام القبلي ، وكان الأمر المهم في نظره هو ضرورة قيام تعليم هادف الى (( بعث الوعي والروح القبلية )) (4) . قبل محاكم رؤساء القبائل بآداء وظائفها المنوط بها آداء حسناً (…) أي تقوية الادارة الأهلية في الجنوب ، كما هو الأمر في الشمال .
وعلى ضوء مقترحات دريبيرج أرسل السكرتير الاداري لحكومة السودان (ماكمايل) مذكرة للمديرين بالمديريات الجنوبية ، إقترح فيها إنشاء مجالس استشارية محلية في كل مركز وكان الهدف من هذه السياسة ، هو تعزيز نظام الادارة الأهلية القائمة على تقوية الزعامات القبلية والطائفية في مواجهة الشعور الوطني الوحدوي النامي بعد ثورة (1924) الوطنية في الشمال .
وفي عام 1928 عقد مؤتمر بالرجاف حول اللغات في جنوب السودان ، والذي دعت اليه الحكومة وحضره مندوبون عن الارساليات من يوغندا والكونغو والمعهد الدولي للهجات والثقافة الأفريقية . فقد كان هدف المؤتمر هو وضع الأسس لتطويراللهجات المحلية واللغة الانجليزية والحد الشديد من استخدام اللغة العربية . وأختيرت لهجات محلية هي لهجات الدينكا والباري والنوير واللاتوكا والشلك والزاندي ، باعتبارها لهجات التعليم في المرحلة الأولية ، ورفض إستخدام اللغة العربية رفضاً تاماً بإدعاء أنها ستنشرالاسلام في ربوع الجنوب وتؤدي الى تعريبه ، وإدخال فلسفة أبناء الشمال في جميع أصقاعه !.
وفي عام 1930 وضع السير (هارولد ماكمايكل) السكرتير الاداري لحكومة السودان مذكرة عن سياسة الحكومة في الجنوب والعمل بهديها تتلخص في الآتي (5) :-
1- إنشاء وحدات قبلية في الجنوب تعتمد على تنظيم يستند على العرق والتقاليد والتراث القبلي .
2- التخلص من الاداريين والموظفين والمهنيين الشماليين تدريجياً على أن يحل محلهم أبناء الجنوب .
3- إستخدام اللغة الانجليزية للتفاهم حينما يتعذر استخدام اللهجات المحلية .
وقد جاء في المنشور الدوري الصادر عن السكرتير الاداري بتاريخ 25/1/1930 ما يلي : (( إن محاربة استخدام اللغة العربية مسألة ضرورية لتنفيذ أغراض الخطة العامة .. لأن العربية سيقل استخدامها تدريجياً لأنها ليست لغة المحكومين أو الحاكمين )) (6) .
كما إدعى المنشور .. وتطبيقاً لتلك السياسة طلب مدير بحرالغزال من مفتشي المراكز بأنه (( يجب منع استخدام الكلمات العربية مثل الشيخ ، السلطان .. الخ ، واستخدام ما يقابلها باللهجات المحلية ، وإذا تعذر ذلك وجب استخدام المصطلحات الانجليزية ، كما يجب عدم تشجيع رؤساء القبائل والأهالي باطلاق الأسماء العربية على أنفسهم وأولادهم )) . وطلب من المفتشين بأن يطالبوا التجار بمديرية بحر الغزال ، بأن لا يستخدموا العربية عند التعامل مع العملاء ، ولا يتحدثوا إلا باللغة الانجليزية أو اللهجة المحلية . ومنع أحد المفتشين ببحر الغزال التجارمن بيع الملابس ذاتالطابع الشمالي .. كما حرم على رؤساء القبائل شراءها ، لكي يتسنى لهم السير عراة ، وفق العرف القبلي الطبيعي ، وأمر بأنه ((يجب أن تكون القمصان قصيرة ، على أن تكون ذات ياقة وفتحة أمامية على الطريقة الأوربية )) ، إن كان لا بد من لبس الملابس !(..) ، كما منع بيع الطواقي التي تلف عليها العمائم وعدم وضع الملابس العربية .
وهكذا كانت السياسة المعلنة في جنوب السودان في مطلع يناير 1930 تطبيقاً لآراء (مفي) في (( وجوب بناء قلاع أهلية محصنة على الحدود التي حددت بخط عرض 8.45ْ لكي يكون الحد الشمالي للسياسة الجنوبية ، وكان الدافع الوحيد لتلك السياسة هو إقصاء النفوذ العربي.
وقد شرح أحد المسؤولين البريطانيين هذه السياسة نحو الجنوب بقوله : (( إن ما تعنيه السياسة بالجنوب هو محاولة جعل أولئك الناس على خلاف عرب البقارة أو رجال الدين المعروفين بقدرالامكان )) . وقد سبق لمكتب الأجانب أن صرح قائلاً : (( بأن بريطانيا كقطر مسيحي لا يمكن لها المساهمة في سياسة تعضد إعتناق الاسلام بين أقوام من الوثنيين يبلغ عددهم 3 ملايين ، وليس لديهم روابط جنسية أو أواصر قربى مع العرب المسلمين )) . وخلاصة ما تقدم أن السياسة البريطانية التي اتبعت في جنوب السودان حتى نهاية عام 1934 كانت على حد تعبير مديرمديرية الاستوائية (( قد جعلت التلاحم السياسي مع الشمال غير متوقع من وجهة نظرالجنوبيين )) .
وفي خطاب للحاكم العام حرره المندوب السامي البريطاني بالقاهرة عام 1945 أوضح الحاكم العام سياسة حكومته نحو الجنوب بقوله : (( إن السياسة المتفق عليها ، هي العمل على أساس أن سكان جنوب السودان أفارقة زنوج ، يختلفون عن سكان الشمال ، وإن واجبنا الظاهر ، هو الاسراع بقدر الامكان ، في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية والثقافية صوب إتجاه أفريقي زنجي ، وليس وفق الاتجاه العربي السائد بمنطقة الشرق الأوسط ، والذي يتفق مع أصول شمال السودان )) ، وعن ذلك الطريق وحده يمكن اعداد الجنوبيين لمستقبل أفضل ، سواء كان مصيرهم الانضمام الى شمال السودان أو شرق أفريقيا ، وفي حالة الانضمام الى الشمال ، سيكون لزاماً على الجنوبيين بإعتبارهم أقلية تقدمية ، التصدي لأي تغوّل من جانب عرب الشمال ، وفي حالة الانضمام لأي من بلدان أفريقيا ، فإنه يتعين عليهم بذل جهود كبيرة للحاق بالأقطار المتقدمة في شرق أفريقيا )) (7) . وكان السكرتير الاداري (نيوبولد) قد إقترح في عام 1944 إلى الحاكم العام أهمية إعادة النظر إزاء السياسة المتبعة في جنوب السودان في ضوء التطورات السياسية الداخلية والخارجية .
ونتيجة لذلك وضع الحاكم العام مذكرة تضمنت ثلاثة حلول ، تتلخص في الآتي :-
1- ضم جنوب السودان الى الشمال .
2- ضم جنوب السودان الى شرق أفريقيا .
3- ضم أجزاء من جنوب السودان الى الشمال والجزء الآخر الى شرق أفريقيا .
وفي عام 1946 أنشأ المجلس الاستشاري لشمال السودان .. ولم يتمثل فيه أبناء الجنوب .. مما أثار الرأي العام الشمالي ودرست الادارة البريطانية مقترحات الحاكم العام الثلاثة وتوصلت إلى (( أن سياسة حكومة السودان حيال الجنوب ، تقوم في الواقع من أن سكان الجنوب أفارقة زنوج وليسوا عرباً ، وإن كانوا في وضع جغرافي وإقتصادي يجعلهم حسبما يتبين لنا في الوقت الحاضر ملزمين بالتلاحم والاختلاط والنماذج مع عرب الشمال بل الشرق الأوسط ، وذلك بالنسبة لتطورهم حضارياً في المستقبل ، ومن ثم يتعين أن نضمن أن سكان الجنوب مؤهلون عن طريق التعليم والتنمية الاقتصادية للمساواة مع شركائهم سكان الشمال ، سواء من ناحية اجتماعية أو إقتصادية )) (8) . ورغم إعتراض بعض الاداريين البريطانيين لهذه السياسة الجديدة .. أعلن المستر ( ولسن ) مفتش مركز نهر الجور ، تأييده للسياسة الجديدة قائلاً : (( إن أفضل مستقبل يمكننا نحن الانجليز أن نهيئه للجنوب باعتباره نداً للشمال .. هو تحقيق الاتحاد بينهما )) (9) . وقد أبديت فكرة الحكم الذاتي الاقليمي أو الاتحاد الفدرالي بين الشمال والجنوب ، بإعتبارهما الغاية التي ترسمها السياسة الجديدة لأول مرة ، ولقد تبنى السياسيون الجنوبيون فيما بعد ، تلك الفكرة إذ نادى البعض بالاتحاد الفدرالي وآخرون بالحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد للمشكلة .
وفي عام 1947 إنعقد مؤتمر إداري لمديري المديريات في كل السودان أوكلت اليه مهمة معالجة ربط الجنوب بكل من الحكومتين المركزية والمحلية .. وقد أوصى المؤتمربربط الجنوب بالشمال ، وأن يكون للجنوب ممثلون في الجمعية التشريعية (..) ونادى أعضاء المؤتمر بوجوب إلغاء بعض مواد قانون الرخص التجارية لعام 1925 وتوحيد السياسة التعليمية في كل من الشمال والجنوب ، وتعليم اللغة العربية بمدارس الجنوب ، وتطوير طرق المواصلات بينهما ، وتشجيع التوسع في حركة التنقلات بين الموظفين العموميين في جميع أنحاء القطر، وتوحيد شروط الخدمة العمومية، الأمر الذي يساعد إلى حد كبير على توحيد أبناء الجنوب والشمال(10).
وعندما نشرت وثائق المؤتمر - أرسل (14) إدارياً بريطانياً عريضة للسكرتير الاداري عبروا فيها عن عدم إقتناعهم بهذه التوصيات ، وطالبوا بعقد مؤتمر إداري للجنوب ، بإعتبارأن قضية الجنوب عالجها رجال غيرمؤهلين .. وفي الوقت غير المناسب وإقترحوا تكوين مجلس استشاري لحماية مصالح الجنوب ، وتوفير الضمانات لعدم تنفيذ أي قانون يصدرعن الجمعية التشريعية في الشمال إلا بعد موافقة الحاكم العام التي يستأنس قبلها برأي المجلس الاستشاري الخاص بالجنوب . وكان من رأيهم أن الحكم الذاتي أو الفدرالي هو السياسة الوحيدة الصحيحة التي تضمن تحقيق مصالح الجنوب .
مؤتمرجوبا الاداري لمديريات الجنوب1947 والاتجاه نحو الوحدة:
وافق السكرتيرالاداري على عقد المؤتمر المقترح تحت رئاسته شخصياً حضره مديري المديريات الجنوبية الثلاث ، ومدير شؤون الخدمة و(17) زعيماً ومتعلماً من الجنوب وستة من أبناء الشمال وخرج المؤتمر الذي إنعقد في 12-13/6/1947 بالنتائج التالية (11) :-
1- إعتراف جميع الأعضاء باستثناء زعماء الاستوائية بأن الوحدة السياسية بين الشمال والجنوب ضرورة لا بد منها ، وأيدوا الفكرةالقائلة بأن الفصل بينهما أمر غير وارد .
2- الاعتراف بأن الجنوب لا يستطيع أن يستقل بشؤونه ، كما أنه لايرغب في الاتحاد مع يوغندا .
3- إن محاولة فصل الجنوب عن الشمال ، لو تم تحقيقها ، ستلحق ضرراً جسيماً بكل من الشمال والجنوب ، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية .
4- كرر الجنوبيون الاشارة لواقع تخلفهم إقتصادياً وحضارياً.
5- هناك مخاوف كثيرة لدى الأعضاء الجنوبيين ، من نوايا الشمال ، وعزموا على مقاومة أية سيطرة من جانبهم .
والواقع أن الارساليات المسيحية في الجنوب لم تكن موافقة إطلاقاً على نتائج هذا المؤتمر .. وفي هذا الصدد ذكر (ج. سبنسر ترنجهام) سكرتير مجلس الارساليات بجنوب السودان ، قائلاً (( إننا نعلم أن الشعار الذي يطلقه مثقفوا الشمال بوحدة السودان ، لا يقوم على أساس البتة في واقع الأمر ، ولولا الصدفة التي جاءت بالحكم الغربي ، لما أمكن توحيد الحكم بين أقوام متناثرة )) (12) .
ولكن لم يقل هذا الاستعماري الماكر والمتلفح بثوب المسيح ، ما فعلته بعثاته في الجنوب وما زرعته من ألغام .. وبرغم ذلك كانت إرادة أبناء الشعب السوداني في الجنوب والشمال تتجه نحو الوحدة والتآخي .. وهي الحقيقة التاريخية الخالدة حتى لوعبرت عن نفسها في لحظة واحدة وغابت بقمع الأجنبي .
مشكلة الجنوب في مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي 1956 :
طوال الفترة من 1953-1958 إنعكست عوامل التأثير على تقرير المصير والاستقلال بصورة سلبية على جنوب السودان . وقد إنبثقت العوامل الرئيسية التي اسهمت في رسم الأحداث فيه من تخلفه الشديد وإحساسه بالعزلة السياسية .
فمع إنعدام التنظيمات السياسية التي يمكن أن تعبر وتدافع عن آمال وتطلعاته . كان من السهل أن تفوت آراء الجنوبيين على الصفوة السياسية في الشمال أو يتم تجاهلها عن عمد . إذ لم تسفر إنتخابات 1953 عن أي أسس يمكن أن تنهض عليها حركة سياسية تمثل الجنوب ، فغالبية الساسة الجنوبيون الذين نجحوا في الانتخابات وصفوا أنفسهم بأنهم ينتمون للحزب الجنوبي ولكن لم يكن لهذا الحزب تنظيماً ولا برنامجاً ولاقيادة مقبولة ، كما أن طبيعة الولاءات السياسية المطاطة والهلامية للنواب الجنوبيين أدت إلى تقلبهم بين الأحزاب الشمالية والحزب الليبرالي الذي أسسه النواب الجنوبيون لم يكن أكثر من رقم برلماني وكان باستمرار عرضه للانقسامات والصراعات حول السياسة والقيادة . لذلك كانت مصالح الجنوب ، السياسية ، قبل وبعد الاستقلال تحتل المرتبة الثانية ، من إهتمامات الساسة الشماليين . إذ لم يشارك جنوبي واحد في المباحثات السودانية - الأنجلومصرية قبيل إتفاقية 1953 ( إتفاقية الحكم الذاتي الأنجلومصرية ) . وظل الجنوبيون على الهامش خلال الحوارات حول ترتيبات الاستقلال خلال عام 1955 إلا حينما يتطلب الأمر الحصول على أصواتهم في البرلمان .
وفي أغسطس 1955 تمردت الفرقة الاستوائية في قوة دفاع السودان وفي الاضطرابات التي أعقبت ذلك قُتل نحو (261) شمالياً و (75) جنوبياً .
وطوال الفترة من يوم الاستقلال وحتى إنقلاب عبود في 17/11/1985 إتسمت سياسات الحكومة في الشمال بالقصور في وضع الحلول التي تستجيب لمطالب الجنوبيين .، فبينما كان الطرفان يتفقان في النظرة الى جذور المشكلة من أنها ناجمة عن التباين الثقافي واللغوي والديني بين الشمال والجنوب والذي ساهم الحكم الثنائي في خلقه وتعميقه إلا أن الحلول لهذه المشكلة قد تباينت بين الطرفين . فبينما كان الشماليون من الحكام يسعون لازالة آثار سياسيات الحكم البريطاني بالغاء القيادة الجنوبية لقوة دفاع السودان وبانتهاج التعريب في السياسية التعليمية في الجنوب وإخضاع مدارس التبشير المسيحي لسيطرة الحكومة وتشجيع الاتصال بين الشماليين والجنوبيين .. متجاهلة عمق الشكوك الجنوبية تجاه هذه السياسة .
ومن جانب آخر كان الساسة الجنوبيون يسعون لتبني إطار دستوري يحمي مصالح الجنوب الخاصة وذلك بطرح شعار الحكم الفدرالي . ولم يؤيد الجنوبيون إعلان الاستقلال إلا حين قرر مجلس النواب في 19/12/1955 أن تعطى الجمعية التأسيسية الاعتبار اللازم لمطالبة النواب الجنوبيين بحكومة فدرالية لمديريات الجنوب الثلاث . إلا أن اللجنة الدستورية المنبثقة عن الجمعية والتي ضمت (43) عضواً بينهم (3) جنوبيين فقط ، رفضت الحكم الفدرالي ، مما أصاب الساسة الجنوبيين بخيبة الأمل (13) .
وبعد إنقلاب عبود 1958 تصاعد التوتر في الجنوب مما أدى إلى إندلاع العمل المسلح في 1963 وكان رد فعل النظام العسكري على مطالب الجنوبيين ، هو العمل على إزالة خصوصية الجنوب الثقافية ( بفرض التعريب ) وعندما واجه الجنوبيون هذه السياسة بالرفض لجأت الحكومة الى استعمال القوة العسكرية ، مما أدى إلى هروب أعداد كبيرة من المواطنين الجنوبيين الى الغابة أو المنفى وأسسوا في 20/2/1962 تنظيم الاتحاد الوطني للمراكز المقفولة في السودان الأفريقي (SACDNU) وتغير إسم التنظيم في أبريل 1963 إلى الاتحاد الوطني السوداني الأفريقي (SANU) وكان هدف التنظيم هو الاستقلال عن السودان .
وكان من بين الذين لجأوا للغابة وأصبح لهم تأثير خطير . ضباط صف في الجيش ورجال سجون ورجال شرطة قد إنضموا إلى الفرقة الاستوائية التي تمردت في عام 1955 وشكلوا عصابات مسلحة تحت إسم ( أنانيا) ، وفي الخرطوم تكونت جبهة سرية باسم ( جبهة الجنوب ) ظهرت علناً بعد ثورة أكتوبر 1964 . بينما استمرت حكومة عبود في سياستها الخاطئة المتمثلة في التعريب والتبشير الاسلامي ، حيث انشئت مدارس القرآن في أنحاء متفرقة من الجنوب وأقيمت معاهد إسلامية متوسطة في ست مدن في الجنوب وأنشئ معهد اسلامي ثانوي في جوبا .. وفي عام 1960 تقرر أن يكون يوم العطلة الرسمي في الجنوب يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد ، وأصبحت اللغة العربية هي لغة التعليم في المدارس المتوسطة . وفي عام 1962 أصدرت وزارة الداخلية قانوناً للجمعيات التبشيرية حدد نشاطها في الجانب الديني فقط . وفي فبراير 1964 طرد القساوسة المسيحيون من السودان وكان عددهم 335 قساً .
وخلال عامي 61 ، 1962 جرت مظاهرات في مدارس الجنوب تم قمعها بشدة من قبل الجيش وفي النصف الثاني من عام 1963 صعدت ( الأنانيا) من عملها المسلح .. وفي مطلع 1964 إندلعت الحرب الأهلية في السودان (14) .
ومع إندلاع ثورة أكتوبر 1964 سقط الحكم العسكري الأول .. وفي أبريل 1965 جرت انتخابات عامة في الشمال فقط نسبة لاضطراب الأحوال الأمنية في الجنوب ، وخلال العهد الديمقراطي الثاني ظلت مشكلة الجنوب دون حل حتى إنقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري . وذلك أن المحاولة الوحيدة بعد ثورة أكتوبر 1964 كانت متمثلة في مؤتمر المائدة المستديرة 1965 إلا أنه لم يتوصل الى حل .
ونجح نميري في إجراء مفاوضات توصل بموجبها الى اتفاقية أديس أبابا في مارس 1972 ، وكانت قد جرت محاولات في أواخر الستينات لتوحيد المقاومة الجنوبية إنتهت بالفشل. وفي منتصف عام 1967 توحدت قيادات أنانيا في تنظيم موحد بقيادة غوردون مورتان وباري ، وإتفق مندوبون من هؤلاء الجماعات على تشكيل ( حكومة جنوب السودان المؤقتة ) برئاسة أجري جادين على أن يكون أميليو قائداً عاماً لقوات الأنانيا .. غير أن الخلافات القبلية والدينية سرعان ما أدت الى إنهيار الحكومة المؤقتة . وفي مؤتمر ( بالقو بندي ) في مارس 1969 جرت محاولة أخرى للتوصل إلى قيادة موحدة وتم تشكيل (حكومة النيل الانتقالية ) برئاسة غوردون مورتان وماركورومي نائباً له وأميلو تيفانق قائداً عاماً للأنانيا مرة أخرى . إلا أن هذه الحكومة لم تحظى بتأييد القادة الجنوبيين .
وفي النصف الثاني من عام 1969 إلتف الجنوبيون حول شخصية جوزيف لاقو الذي أعلن عن تأسيس ( منظمة الأنانيا الوطنية ) تحت قيادته .
مشكلة الجنوب في العهد المايوي1969-1985 ومحاولات حلها:
بعد إنقلاب مايو 1969 الذي طرح في بداياته شعارات قومية تقدمية مقترباً من النظام الناصري . بدأ الكيان الصهيوني منذ سبتمبر 1969 بمد منظمة الأنانيا الوطنية بالأسلحة بمعدل دفعتين شهرياً يتم إلقاؤها من الجو .. وذلك بغرض تأجيج نيران الحرب الأهلية وإشغال النظام في الشمال عن الاهتمام بالقضايا القومية .
لقد ساهم الدعم الصهيوني لجوزيف لاقو في تقوية مركزه وتوحيد الأجنحة المتصارعة حوله مما وفر له قوة تفاوضية مع نظام نميري بعد أن انهارت حكومة النيل المؤقتة ، وإندمجت عناصرها في أنانيا تحت قيادة (لاقو) . وفي يناير 1971 أعلن لاقو عن تأيسي (حركة تحرير جنوب السودان ) .
خطوات الحل المايوي لجنوب السودان (إتفاقية أديس أبابا1972):
في يناير 1971 وجه نظام نميري دعوة لمجلس كنائس عموم أفريقيا لارسال وفد للسودان للاطلاع على مساعي الحكومة لحل مشكلة الجنوب سلمياً . وقبل مغادرته الى الخرطوم إجتمع وفد الكنائس في يوغندا بما يسمى ( بلجنة كمبالا ) ، وهي مجموعة من الجنوبيين وغيرالسودانيين المتعاطفة مع حركة تحرير جنوب السودان المقيمين في يوغندا ، وناقشت مسألة الحل السلمي ، وعندما وصل الوفد الى الخرطوم في مايو 1971 ، كان مصمماً على بحث التسوية وإحتمالاتها أكثر من الاضطلاع على أوضاع الجنوب . وفي مناقشته مع وفد الحكومة تم الاتفاق على إطار لمباحثات بين حكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان يتضمن الآتي (15) :
1- تؤيد الحكومة اجراء اتصالات بين وفد مجلس الكنائس وحركة تحرير جنوب السودان بغرض التمهيد لمباحثات تستهدف التسوية السلمية .
2- يشتمل التمثيل الجماعات ذات النفوذ في الجنوب في أوساط اللاجئين .
3- تجرى المباحثات في أي مكان.
4- توافق الحكومة على فترة (تبريد) إذا لم يكن هناك ما يهدد الأمن
5- تجرى مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي الاقليمي في اطار السودان الواحد .
6- يتم الاجابة على من يرعى المباحثات في مناقشة لاحقة .
فكان لبعض الضغوط الجانبية الأثر الفعال . فقد وقعت الحكومتان السودانية واليوغندية على إتفاق بابعاد العناصر المعادية لكل منهما من البلدين ونجحت الحكومة الليبية في إقناع الرئيس اليوغندي عبدي أمين في مارس 1972 بطرد المستشارين العسكريين الاسرائيليين من بلاده وقطع العلاقات مع اسرائيل . وهكذا أصبحت يوغندا مكاناً غير آمن لجوزيف لاقو من حيث الادارة وتلقي المساعدات الاسرائيلية . وفي 18 مارس 1972 وقع لاقو على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فبراير 1972 ، وتوقفت الحرب الأهلية . وتم تطبيق الحكم الذاتي الاقليمي لجنوب السودان(16) .
وكان لفشل سياسات نميري الاقتصادية أثرها على جنوب السودان ، حيث تمزقت الحكومة الاقليمية بسبب توقف التنمية وتفاقم الأزمة المعيشية ، وإندلعت الانقسامات القبلية والشخصية بسبب الاختلاف حول قرار تقسيم الاقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم الذي أصدرته الحكومة المركزية بحجة تقليل سيطرة قبيلة الدينكا على السياسة في الجنوب . وفي يناير 1983 إندلعت الحرب الأهلية من جديد عندما هاجم منشقون مدينة أويل في مديرية بحر الغزال ومقتل 12 تاجراً شمالياً ، وفي فبراير من نفس العام تمردت الكتيبة (105) في بور والتي تتكون من جنود جنوبيين وهرب نحو ألف ضابط وجندي إلى الغابة حاملين أسلحتهم معهم . وخلال ذلك الصيف تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان في أغسطس 1983 بقيادة جون قرنق . وقد أدت هجمات رجال حرب العصابات على موظفي الشركة الفرنسية في ديسمبر 1983 إلى وقف العمل في مشروع قناة جونقلي .. وإلى وقف أعمال شركة شيفرون للتنقيب على النفط .
وشرع نظام نميري في تغيير إتجاهاته السياسية باعلان قوانين سبتمبر 1983 (الشريعة) ومحاولاته تعديل دستور البلاد مما أدى الى تفاقم الأزمة في الجنوب .. بينما كان النظام نفسه يلفظ أنفاسه الأخيرة حيث اندلعت إنتفاضة مارس أبريل 1985 مما أدى الى سقوط نظام نميري، وعودة الحكم الديمقراطي الليبرالي مرة أخرى .
خلاصـــــــة :
يتجلى من استعراض السياسة البريطانية في جنوب السودان طوال فترة إستعمارها للسودان .. الدور الكبير الذي قامت به في خلق هذه المشكلة وتجسيمها كقضية صراع بين الشمال والجنوب ، تقوم على الأساس الديني والأساس العنصري ومحاولات أن يأخذ الصراع وجهة مفتعلة وكاذبة باعتباره صراع بين العرب والأفارقة من جهة وبين المسيحية والاسلام من جهة أخرى متجاهلة حقيقة أن العروبة في السودان لاتقوم على الأساس العرقي والعنصري ، وإنما هي ثقافة وإن الدين الاسلامي كدين سماوي لا يقوم على العداء للمسيحية ، وإنما يعتبر نفسه امتداداً لها ويقدسها كعقيدة سماوية .. وهو كغيره من الأديان يدعو للمحبة والسلام والعدل والمساواة والأخوة .. وإن الثقافة العربية الاسلامية هي الثقافة الأم لأفريقيا منذ القرن العاشر الميلادي ، وإن ثلاثة أرباع العرب هم أفارقة ، وإن الأفريقية ليست عرقاً أو قومية ، وإنما هي قارة تعيش في داخلها عدة شعوب وقوميات وجماعات وقبائل .. وإن الثقافة العربية الاسلامية لم تفرض نفسها بالقوة على القارة مثلما حاولت بريطانيا وبقية الدول الاستعمارية فرض ثقافتها وحتى تصوراتها المنحرفة للدين ، وذلك باستغلال الدين المسيحي السمح لأغراض سياسية إستعمارية لا علاقة لها بجوهر هذا الدين الداعي للمحبة والسلام . كما أن أكذوبة إتهام الشماليين في السودان بممارسة الرق يضحدها الواقع والتاريخ ، فالشعب السوداني في الشمال لايمكن تحميله وزر هذه الجريمة وهو كان يخضع لاستعمار أجنبي خلال العهد التركي .. وبعد ثورته العظيمة بقيادة المهدي ضد الاستعمار التركي حرم هذه التجارة تماماً .
والحقائق التاريخية تقول أن بريطانيا والدول الغربية هي التي مارست هذه التجارة على أوسع نطاق .. وأكبر دليل على جريمتهم هو الاجابة على السؤال : من الذي جلب الزنوج العائشون في أميركا اليوم الى هناك !؟ .
وفي السودان ومنذ العهد التركي كان الوكلاء الحقيقيون لهذه التجارة هم الغربيون والبريطانيون بالذات من خلال سيطرتهم على الدولة العثمانية في آواخر أيامها .. وعلى أسرة محمد علي الحاكمة في مصر بالذات .. بدليل أن أغلب الاداريين الذين استعانت بهم الخديوية في مصر على حكم السودان كانوا من الغربيين وأبرزهم (غوردون باشا) .
والواقع إن الشعب العربي الشقيق في مصر لم يكن مالكاً لزمام أمره لأنه مستعمر وكذلك الشعب السوداني في الشمال .. فكيف يتم إتهامهم بتجارة الرقيق والسلطة الحقيقية كانت في يد مستعمريهم .. أما أن يستعين بعض الاداريين البريطانيين والأتراك ببعض الأشخاص من المصريين التجار الصغار أو من مواطنين من شمال السودان كوكلاء لهم في هذه التجارة فهذا لا يعني أنهم المسؤولون عن هذه الجريمة .. بدليل أن أنشط الوكلاء في هذه التجارة كانوا من أبرز بعض القبائل الجنوبية ذاتها ..
إن مجمل الدعاية البريطانية في جنوب السودان والهادفة الى خلق حواجز نفسية وعقد تاريخية كاذبة .. ورغم نجاحها النسبي إلا أنها لا تصمد أمام المحاكمة والتمحيص الدقيق .
وللأسف نتيجة هذه المغالطات والأكاذيب والفتن التي زرعتها بريطانيا في السودان وجدت الأجيال السودانية المتعاقبة في الشمال والجنوب نفسها تتصارع وتتحارب دون مبررات عقلانية . وقد ساهم في ذلك عجز الطبقات الرجعية التي تعاقبت على حكم السودان منذ الاستقلال عن استيعاب مرامي الاستعمار وابتلعت الطعم الذي وضع في الفخ البريطاني ، وفشلت في وضع الحلول الصحيحة التي تستوعب جذور المشكلة . وتتعامل مع الواقع التاريخي والجغرافي والثقافي برؤية حضارية مسؤولة تعالج الأسباب ولا تقف عند النتائج
مواقف البعث الفكرية والسياسية من المشكلة
مقدمــــــــة :
تتناول هذه الدراسة متابعة مواقف حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان الفكرية والسياسية من مشكلة جنوب السودان في الفترة الممتدة من تاريخ تأسيس أول خلية للحزب داخل تنظيمات الاشتراكيين العرب عام 1960 حتى العام 1999 حيث ازدادت المشكلة تعقيداً بوقوع إنقلاب 30/6/1989 بقيادة الجبهة الاسلامية .
تكمن صعوبة البحث في أن الكتابة في احدى القضايا الوطنية الهامة التي ارتبطت بنضال الحزب في السودان يكاد يعبر عن تاريخ الحزب ذاته ، لا سيما وأن مشكلة الجنوب في السودان قد شكلت هاجساً كبيراً - فكرياً وسياسياً للطلائع البعثية الأولى في السودان ، حيث أن أبرز نضالاتهم السياسية ضد دكتاتورية عبود كانت بسبب مشكلة الجنوب ، كما شغلت القضية حيزاً كبيراً في النتاجات الفكرية للحزب في السودان منذ بدايات نشأته .. ففي تحليل 1962 للواقع السياسي والاجتماعي في السودان عبر البعثيون عن رؤيتهم المستقبلية لاتجاهات الصراع في البلاد ، كما احتلت مشكلة الجنوب حيزاً وافراً من الدراسة والتحليل في وثيقة البعث وقضايا النضال الوطني في السودان ، وساهم الحزب كذلك باعداد دراسة فكرية وسياسية وافية باسم الرفيق أمين سر القيادة القطرية هي وثيقة (البعث ومسألة الجنوب في السودان) .. لقد إقترن هذا الجهد الفكري بمواقف وممارسات نضالية جريئة ، وتضحيات لا يستهان بها .
حاولت هذه الدراسة أن تتابع كل ذلك بهدف تمليك المناضلين البعثيين والوطنيين من أبناء شعبنا صورة من نضال حزبنا في السودان من أجل هذه القضية التي ظلت تؤرق كل الوطنيين والقوميين التقدميين الساعين في اتجاه تحقيق الحل السلمي الديمقراطي ، وتحقيق وحدةالسودان في اتجاه الاستقرار والتنمية والتقدم .
الموقف الفكري للبعث
من قضايا الأقليات في الوطن العربي
كان المشروع القومي الحضاري الذي طرحه البعث منذ تأسيسه في عقدالأربعينيات ينطلق من نظرة جديدة للقومية .. تقوم هذه النظرة على إعتبارالشعور القومي بأنه شعورانساني خلاق ، وهو حقيقة اجتماعية تعبر عن الهوية الجماعية لأي شعب .. إلا أن البعث ميِّز بين القومية والنظرية القومية . رافضاً وبشكل قاطع وحاسم النظريات القومية الغربية التي تقوم على الأساس العرقي والعنصري كالنظرية النازية والفاشية وقانون التفوق العنصري ، ورسالة الرجل الأبيض .. الخ . تلك النظريات التي أشعلت الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، وقامت على أساسها فكرة الاستعمار الغربي للقارات الثلاث ( أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) .
يقول مؤسس البعث المرحوم ميشيل عفلق في عام 1955 (( إن مفهومنا للقومية بعيد جداً عن مفهوم القومية النازية ، التي تؤمن بأن هناك عرقاً مفضلاً ، وله مميزات خاصة ، يجب أن يتطهر من كل شئ ، وبالتالي يضهد كل من لا تتوفر له الشروط من حيث النسب ، والعادات المعينة ، فالعروبة هي انسانية ، ونحن نفهم من قوميتنا العربية بأنها الانسانية الصحيحة ، وبأنها تقديس لقوميات الآخرين ، فنقدس هذا الشعورعند كل شعب آخر )) (17) .
لهذا يؤكد المؤسس (( بأن الاستعداد الدائم عندنا لاستيعاب الخصوصيات ، ولفهم وضع كل أقلية ، وإحترام شخصيتها ، هو من قيمنا الأساسية ، ومن القيم الداخلة في قوميتنا ، وفي تراثنا ، وبما تقتضيه المصلحة المشتركة )) (18) .
ووفق هذا المنظور الجديد للقومية العربية ومشروعها الحضاري التحرري يؤكد مؤسس البعث القول (( بأن الأمة العربية أقدر من أية أمة على حل مشكلة الأقليات منطلقين من هذه الروح ، ومن تراثنا ، من مراعاة واقعنا ومصلحتنا القومية لأن مصلحتنا هي في التآخي القومي ، وليس في ابقاء عوامل وأسباب التناحر الداخلي وليس في ترك ثغرات يستغلها الأعداء في داخل بنياننا القومي))(19).
إن النظرة المبدئية الأخلاقية للبعث النابعة من التراث الروحي للأمة العربية ، في النظرة للانسان باعتباره قيمة عليا ومن قيم العدل والحرية والمساواة بين الناس بصرف النظر عن ألوانهم أو أعراقهم أو معتقداتهم ، وان الانسان لا يتميز عن أخيه الانسان إلا بالعمل الصالح ، وإحقاق الحق والخير .. لذلك قام مشروع البعث أساساً بهدف تجديد هذه القيم وإحيائها في عصرنا الراهن .. وهذه ما يسميه البعث بال

المزيد


أزمة الاسلام السياسي في السودان……. في ضوء فكر البعث وتجربته

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , فكر البعث

 

 
أزمة الاسلام السياسي في السودان
في ضوء فكر البعث وتجربته
(( دراســـة مقارنــــــة ))
 
اكتوبر 2000م
 
 
مقدمــــــــــة :
تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على تداعيات أزمة الحركة الاسلامية السياسية في السودان وانقسامها بعد عشر سنوات من وصولها للسلطة اثر انقلاب 1989 باعتبار ان السلطة امتحان صعب لأي حركة عقائدية بصرف النظر عن منطلقاتها ، وهي كذلك محك يكشف مدى تمسكها باصل المبادئ والاهداف التي ارتكزت عليها في عملها الدعائي والتعبوي قبل وصولها للسلطة .. وبما ان حزبنا كحركة عقائدية نهضوية قد مرّ بمثل هذه الامتحانات وواجه أزمات لكنه تجاوزها بالعودة لأصل مشروعه لذلك كانت المقارنة مع تجربة البعث ضرورية لتكشف الفرق الكبير بين الحركة العقائدية الاصيلة التي تنجح في تجاوز أزماتها بالعودة الى خط البداية وبين الحركات السياسية الدينية المغطاة بغطاء الدين وزيف شعاراتها ، وضعف أساسها العقائدي المتغلف بالدين .
×                    حاولت هذه الدراسة تتبع تداعيات أزمة الجبهة الاسلامية في السودان وما تمخض عنها من تداعي خطير وصل حدّ التناقض مع جوهر الدين وتهديد وحدة البلاد الوطنية في صورة ما سمي بالكتاب الاسود الذي اعترف الترابي وجناحه المنشق بانه صدر عنهم ، وما تناوله هذا الكتاب من قضايا خطيرة تتعلق بمسألة التوازن في التنمية ونظام الحكم وهي أحدى أهم القضايا التي عالجتها أدبيات حزبنا في السودان في سياق برنامجه لحل أزمة التطور الوطني في السودان .
×                    كما ان الدافع لصياغة هذه الدراسة ينبع من القلق المشروع على وحدة الوطن التي اصبحت مهددة بالتفكك والتمزق بفعل مخططات استعمارية صهيونية تستهدف وحدة البلاد وكيانها الوطني حيث ان نتائج ما يطرحه هذا السفر المشبوه تلتقي بالنتيجة ان لم تكن بالنوايا مع هذه المخططات .
لذلك يقول الرفيـق القائـد صـدام حسيـن في لقائه مع الفرق المتميزة في يوليو / تموز 2000 : (( عليكم ان تحاربوا حالة الضعف لدى الحكام ، والتجزئة التي تحاول تحت عناوين شتى ان تضعف الشعب في كل مكان ، في السودان ، وفي مصر والعراق وسوريا والاردن والمغرب وفي الخليج ، وحيثما وجدتم حالة تجزئ الشعب . انظروا إليها كحالة تخدم الاستعمار وعليكم ان تحاربوها )) (1).
وكمدخل للمقارنة بين البعث والظاهرة السياسية الدينية حاولت الدراسة تأصيل مفهوم الأزمة في فكر البعث وكيف واجه الحزب أزمته مع القطرين الشباطيين عام 1966م وكيف نجح في تجاوزها بالتمسك الصارم بأصل مبادئه وقاوم إغراء السلطة ثم تناولت أزمة الظاهرة السياسية الدينية بوجه عام وكيف تصدى القائد صدام حسين لنقد هذه الظاهرة في سياق خطاب ومنهج القومية المؤمنة الذي تبلور من خلال المعاناة الجهادية في منازلة أم المعارك الخالدة . تناولت الدراسة تجربة الجبهة الاسلامية في السودان كنموذج لسقوط هذه الحركات في الحكم ووضعت هذا النموذج في مقارنة مع حزبنا في السودان من حيث البرنامج لمعالجة أزمة التطور الوطني في السودان ، والموقف من قضية صراع السلطة والثروة في البلاد ..
 
مفهوم الأزمة في فكر وتجربة البعث وأزمة
الظاهرة السياسية الدينية في السودان
إن الأزمة الناجمة عن الوضع الدولي الراهن بعد انهيار الايديولوجية الشيوعية ومعسكرها والمخطط الاستعماري الصهيوني الهادف الى تفتيت العالم قد خلقت حالة الالتباس والغموض بل والاحباط التي اصابت النخب السياسية والفكرية في الوطن العربي ، وان هذه الازمة تواجه كل الحركات العقائدية والثورية في العالم ، ان مثل هذه الظروف تطرح أهمية الرجوع الى الحقائق البديهية السهلة ، والى تركيز الخط المبدئ والستراتيجي في مواجهة حالة التدهور والتراجع لذلك يقول القائد المؤسس : (( ولئن كان أكثر رجال السياسة والاحزاب يتخلون في وقت الازمات العصيبة عن مبادئهم وافكارهم ، ويستسلمون بحجة التصافي وتوحيد الصفوف ، للسياسة الحاكمة ، أي سياسة التخدير والتضليل والجمود والفوضى فيبرهنون بذلك على ان المبادئ والافكار بالنسبة إليهم لم تكن إلا مزاحاً يجيزه العرف السياسي ، والتنافس الحزبي في الأوقات العادية ، ويصبح غير جائز ولا معقول في ظروف الجد والخطر . ولسنا نرى نحن خيراً من ظروف الأزمات والأخطار لكي تزيدنا استمساكاً بمبادئنا العربية الشاملة ، وإقتناعاً بفكرتنا الانقلابية ، وعزماً أكيداً على تحقيقها ، والعمل بوحيها )) (1) .
ذلك لأن الأزمات هي مظهر طبيعي من مظاهر النمو ، والحركات التي لا تعرف الأزمات لا يمكن ان تكون حركات حية متجددة ، بيد أن بقاء الحركات التاريخية والثورات رهن بقدرتها على تجاوز أزماتها ، تجاوزاً صاعداً يحقق لها شروط التجدد الدائم المستمر (2) ، ولأن الأزمات والنكسات والمحن تأتي لتؤكد من جديد أنها امتحان لقدرة قوى الأمة على التجدد ، والارتفاع الى مستوى جديد ، وإنه في ظل التجارب القاسية يتهيأ المناخ الطبيعي للتصحيح وتبرز صورة الإنقاذ الحقيقية )) (3) .
إن الانتساب الصحيح الى أية فكرة ، الى أي موقف جدي في الحياة هو أزمة " كما يقول القائد المؤسس – ولا كالأزمات ، بل هو زلزال في النفس لا يأتي هيناً سهلاً ، لا يأتي تدرجاً ، لا يأتي وكأن المرء ما غير شيئاً في نفسه ، وبقى في مكانه ، انما يأتي نتيجة أزمة في النفس ، نتيجة انقلاب ، والانقلاب الذي يدعو إليه الحزب ، بذرته هي تلك التي تحدث في النفس عندما تكتشف دعوة هذا الحزب وفكرته وإن كل مستقبل الأمة العربية متوقف على هذا الانقلاب في النفوس ، على هذه الأزمة العصيبة ، على هذا الانتقال المفاجئ من حال الى حال ، وعلى هذا الصراع الشديد بين حالتين (4) :
1.     الحال العادية المألوفة التي لا تنتج إلا الضعف والفساد .
2.     وبين الحالة المرتقبة والتي ستكون نتيجة التمرد على كل ما هو عادي ومألوف ، ونتيجة توتر شديد وعصيب في الارادة وفي الشعور لاستخراج أعمق ما في نفوس العرب من امكانيات غير متحققة .
لهذا عندما وقع حزبنا في أزمته المعروفة في عقد الستينات وبعد الردة الشباطية عام 1966م واجه تلك الأزمة بشجاعة ورفض القائد المؤسس الحلول الوسط والمساومات والمعالجات السطحية معتبراً أن ردة 23 شباط شئ عارض في الحزب ، ولكن هذا العارض سيظل يعيد نفسه إذا لم نغتنم هذه الفرصة لنفتح معركتنا الأصلية ، معركة الغاية الأولى التي أنشئ الحزب من أجلها ، معركة تحريك الجماهير العربية من أجل تحرير نفسها (5) . ومارس الحزب النقد الذاتي بشجاعة مؤكداً (( أن ردة 23 شباط هي عقاب للحزب لأنه كان منذ الوحدة في عام 1958م يهرب من معالجة أزمته ، ومن حل تناقضاته ، الى تجارب غير ناجحة كان لابد أن تزيد أزمته عمقاً ، وتناقضاته حدةً )) (1). وأكــد (( أن أزمة الحزب هي أزمة وجود أصيل للحزب ، وجود صحيح تام غير نسبي )) وانه يستطيع أن يخرج من هذه الأزمة أقوى من أي وقت مضى إذا استطاع أن يحلل اسبابها بعمق ووضوح وجرأة ، وأن يجعل من الأزمة مناسبة لتجديد نفسه )) (2).
وفي عام 1969م حدد القائد المؤسس اسباب صمود البعث في وجهة المؤامرات والأزمات التي واجهته في عقد الستينات من القرن الماضي في الآتي (3) :
1.     إن الحزب لا يعتبر الحكم غاية له ، بل غايته الأمة والثورة .
2.     إن لم يكن الحكم ثورياً ، ومعبراً بصدق عن دوافع الثورة وأهدافها وأخلاقيتها تنشأ الأزمة ، وتتحرك الضمائر ، وتعترض العقول ، وتحنّ النفوس الثائرة الى النضال .
3.     إن الأزمات والخلافات لا تنشأ بين متصارعين على السلطة ، وإنما بين الحزب من جهة وبين الدخلاء على الحزب أو الحزبيين الذيــن لم تنفــذ العقيدة الى أعماق نفوسهم وضمائرهم ، فكانوا يظهرون العقائدية ويبطنــون الإنتهازية أو كانوا يحسبون أنهم عقائديون ، فلما وصلوا الى الحكم انهارت مقاومتهم أو فسدت نفوسهم فتنكروا لماضيهم ، وافتتنوا بالحكم والسلطان .
4.     الحزب ينتدب أشخاصاً ليحكموا بأسمه وحسب منهاجه ومبادئه ، فإذا أساءوا استعمال السلطة الموكلة إليهم ، يسحب منهم الثقة والوكالة ، ولكنهم قد يحطاطون لذلك ، ويستخدمون وسائل السلطة لمحاربة الحزب قبل أن يبادر الى نزع الثقة منهم .
5.     إن انتصار الحزب وثورته التي فجرها في 17-30 تموز 1968م في العراق وضعت حداً تاريخياً فاصلاً جعل الردة محاولة فاشلة ويائسة لتشويه فكر الحزب ومنطلقاته ، وتزييف ماضيــــــــه .
6.     علينا أن لا ننسى وجود مؤامرة تاريخية على حزب البعث ، بدأت منذ أن اتضحت حقيقة هذا الحزب وخطورته على الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية .
ويمكن تلخيص أسباب تلك الأزمة التي تجاوزها الحزب في الآتي :
1.     وصول الحزب الى الحكم والسلطة قبل أن يعد نفسه لذلك بشكل كاف ( في سوريا والعراق عام 1963م ) .
2.     عدم وضوح علاقة الحزب بالحكم وعلاقة الجيش بالحزب ، مما أدى الى دخوله في صراع مع العسكريين – اللجنة العسكرية الشباطية في سوريا - .
3.     ضعف القيادة الجماعية وتسرب بعض العناصر التقليدية وضعف البنيان التنظيمي الثوري ، وظروف العمل الانتخابي والليبرالي جعلت هذه العناصر تعجل في ربط الحزب بعجلة الحكم . ( نتيجة الاندماج مع جماعة أكرم الحوراني ) .
هكذا حسم حزبنا أزمته بالعودة الى خط البداية والى أصل مشروعه النهضوي الحضاري والانبعاثي ، وحل التناقض الذي وقع فيه وبافترق الفكر عن الممارسة والغاية عن الوسيلة ، بفضل الرؤية التاريخية والمنهج الحضاري لقائده المؤسس الذي كان يرى (( أن الحكومات والعهود والأنظمة السياسية ، قد تصاب بأمراض وآفات وأزمات فتصمد لها ، وتتغلب عليها ، وتشفى منها ، إلا شيئاً واحداً إذا أصيبت به ماتت به ، ذلك هو مرض التناقض ، وهو في الواقع مجموعة أمراض تتراكم ، وتتفاقم ، حتى إذا بلغت ذروة الخطورة ، واستحال معها كل طب ، ظهرت بمظهر واحد ، شامل هو التناقض )) . وإن النظرة الفاحصة المتعمقة ، توصل الى رؤية الروح في المظاهر المتنكرة لها ، كما توصل الى رؤية المادة والزيف والنضوب في المظاهر المقنعة بقناع الروح ، تلك هي حالة التناقض التي تؤذن بالثورة )) (1).
أزمة الظاهرة السياسية الدينية :
في ضوء ذلك كيف يجب أن نفهم أزمة الظاهرة السياسية الدينية ، وانتكاس المنطلق الاسلامي الاممي وفكرة الدولة الدينية بالعودة الى المنطلق الاقليمي والقبلي ، كما هو حاصل اليوم في تجربة السودان وافغانستان .. الخ ؟ والوقوع في تناقض صارخ مع أصل الشعارات والمبادئ الاسلامية التي كانت ترفعها أو تتغلف بها قبل الوصول الى السلطة ! .
كما إن تجربة الاسلام السياسي في السودان كحركة عقائدية ، ودخولها في أزمتها الشاملة الراهنة تستوجب على حزبنا دراستها واستخلاص دروسها ، من منطلق المبادئ وخط الشروع ومدى الانسجام بين الفكر والممارسة ، وذلك لأن الوفاء والاخلاص للمبادئ هو خط الشروع لأي حركة عقائدية وهو مبرر وجودها واستمرارها ، والسؤال الرئيسي الذي يجب طرحه إزاء الأزمة الشاملة التي يعيشها السودان والاسلام السياسي الحاكم ، هو : هل الجبهة الاسلامية كانت أصلاً حركة نهضوية وبالتالي هل الحركات السياسية الدينية هي كذلك حركات نهضوية حقيقيــــــــــة ؟ .
لقد لاحظنا كيف واجه حزبنا في مراحل كثيرة أزمات وتجاوزها ، لأن الحركة الثورية تجدد نفسها وتتجاوز أزمتها بالعودة الى اصل مشروعها وبالمزيد من السير الى امام وليس التوقف ، فمهما كثــرت المؤامــرات الخارجية لم ولن تستطيع قوى الاستعمار والرجعية انهاء حركة البعث ، لذلك يحاولون لجمها ومحاصرتها ، لأن البعث بحكم ايمانه بالشعب والأمة يدرك أن القوى الامبريالية ليست قوة مطلقة ، ويمكن مواجهتها بقوة الشعب وقدراته الخلاقة وقد قدمت منازلة أم المعارك الخالدة الدليل الساطع على ذلك .
لقد أدرك حزبنا أن بروز الظاهرة السياسية الدينية هي تعبير عن ردات فعل دورية للأزمات المتتابعة التي تواجهها الأمة العربية والمجتمعات الاسلامية ، وهي في جوهرها مجرد رد فعل سطحي ، على النكسة المؤقتة لحركة الثورة العربية ، وسداً لفراغ عقائدي وسياسي نشأ بسبب هذا الانحسار المؤقت للقوى النهضوية الحقيقية منذ انفصال 1961م والردة الشباطية عام 1966م وهزيمة يونيو / حزيران 1967م .
هكذا بقيت هذه الظاهرة في حدود رد الفعل ، وكان الغرب الاستعماري يدرك انها لم تصبح ثورة ثقافية اجتماعية واقتصادية جذرية تهدد مصالحه ، ولن تكون ثورة في اتجاه العصر ، واقصى مداها هو السقوط في الطائفية او الإلتقاء في الإطار الرجعي ، لذلك سعى لتوظيفها ودعمها في اتجاه الهجوم على الفكر القومي النهضوي واتهامه بالإلحاد والعنصرية والعلمانية .. الخ كما ان القاسم المشترك الذي يجمع الحركات السياسية الدينية هو مناهضتها لنظام الدولة الحديثة .. وإستغلالها لرغبة الجماهير العارمة لتغيير الأوضاع المتردية القائمة في المجتمع العربي للوصول الى سلطة دون امتلاك بديل حقيقي غير الشعارات العامة ، وهذا ما حدث في الســــــــــــــــــودان .
لقد كشفت أم المعارك الخالدة وصمود البعث وتجربته الثورية في العراق فيها حدود امكانيات هذه الظاهرة السياسية الدينية ، وكشفت انتهازيتها ومتاجرتها بالشعارات الدينية ، وعجزها عن اتخاذ الموقف الصحيح والعملي الذي ينسجم مع جوهر الاسلام وقيم الايمان والجهاد الحقيقي في مواجهة قوى الكفر والفساد والعدوان ممثلة في الولايات المتحدة والصهيونية العالمية وعملائها المحلييــــــــــــن .
ورغم ذلك مارس القائد المفكر والمجاهد صدام حسين حواراً عميقاً مع هذه الظاهرة ، تبلور بموجبه خطاباً نقدياً قدم من خلاله نموذج القومية المؤمنة وتجربتها المجسدة في العراق . بالمقارنة مع النماذج التي قامت باسم الاسلام السياسي خاصة في السودان وافغانستان وايران .
لم يكن حوار القائد صدام حسين وانتقاداته حول أسس العبادات .. لأنه لا يوجد خلاف جوهري بين المسلمين في هذه الناحية .. وانما كان الحوار ولازال يدور حول كيفية بناء النموذج النهضوي الحضاري المستقل والبرنامج الذي يرتكز عليه في بناء الدولة والمجتمع وكيفية تطبيق العدالة الاجتماعية والموازنة بين العلم والايمان والمادة والروح والاصالة والمعاصرة والعروبة والاسلام .. الخ ويمكن تلخيص انتقادات القائد صدام حسين لهذه الظاهرة في هذه النواحي في الآتي (1) :
1.                    إن عناصـر النهضـة الحقيقيـة للأمة لا تكمن في مجرد تغيير الانظمة الفاسدة القائمة الآن ، أو بعض شخوصها ، وانما في تغيير مرتكزات انطلاقتها ومعاني دورها في الحياة .
2.                    إن أي دعوة جديدة لابد أن يكون كادرها في الحكم أساسه كادر النضال والعمل والجهاد قبل تسلم السلطة ، ( وهذا انتقاد مباشر لنموذج الاسلام السياسي في السودان الذي اعتمد على كادر المايويين في الحكم بعد وصوله للسلطة ) .
3.                    لا يجوز أن نكسب الجمهور على أساس مسار وحجة هما محض حالة ظرفية فيما يصور للجمهور ان المسار والحاجة باقيان حتى نهاية المطاف أي نحشر الجمهور في لجة استخدام الدين في السياسة ونختار طرقاً أخرى بعد الوصول الى السلطة أي أن نجعل السلطة في حد ذاتها هدفاً ووسيلة .
4.                    إن الحشد الجماهيري على العام ، من غير تخصيص ، دلالة على ثغرات غالباً ما يتمكن أصحاب الغرض الفني المسبق ، أن يكمنوا فيه ليحرفوا الخطوات اللاحقة عن مسارها – أي اختراقها – لذلك لابد لمثل هذه الحركات من برنامج يحدد الافكار والمواقف ، ويكون معياراً موضوعياً من داخل الحركة ، يكون قيماً على مسارها ، وترتكز عليه كعقد اجتماي وسياسي بينها وبين الشعب ، ( وهذا ما وقعت في محازيره تجربة الاسلام السياسي في السودان كما سنرى لاحقاً ) .
5.                    إن الفكر الشعوبي والأممية الدينية يعّوم الحال وبالتالي يضيع مركز الارتكاز ( قاعدة الانطلاق ) ويجر الدين الى الأممية لكي ينهض آخرون أجانب لقيادة الأمة .
أزمة نظام الجبهة الاسلامية في
السودان في ضوء تجربة البعث
يمكن تلخيص أسباب أزمة الاسلام السياسي في السودان بعد وصوله للحكم أثر انقلاب 30/6/1989م في العوامل التالية :
1.                    اعتبار السلطة وكأنها غاية الحركة النهائية والتراجع عن الشعارات والاهداف التي كانت تطرحها قبل الوصول الى السلطة .. بل التراجع حتى عن عبارة " الاسلام " في اسم الحركة وتحويلها الى اسم " المؤتمر الوطني " تحت وهم " التمكين " .
2.                    عدم امتلاك الحركة لأي برنامج حقيقي وواضح لوضعه موضع التنفيذ بعد الوصول الى السلطة . بل عدم امتلاك أي تصور واضح حول مسالة الدولة الدينية وشكلها - كما سنرى ذلك في اعترافات الترابي .
3.                    الاستغناء عن التنظيم الأساس ( الجبهة الاسلامية ) بعد الوصول الى السلطة والاعتماد على تنظيم سلطوي فضفاض حشد له كل طامع في السلطة مما أدخل أعضاء التنظيم الأساس في أزمة حقيقية .
4.                    ارتداد حركة الترابي أصلاً عن الحركة الأم – التنظيم الدولي للأخوان المسلمين في مصر بل الدخول في قطيعة معه .
5.                    أزمة علاقة التنظيم السياسي للجبهة الاسلامية بالجيش وتجاهل دور الجيش في السياسة في العالم الثالث وعدم الوعي بخصوصية الجيش السوداني .
6.                    غياب القيادة الجماعية للتنظيم وتمركز الحركة حول شخصية الترابي وازدواجيتها في السلطة .
7.                    نقاط الضعف الكامنة أصلاً في تنظيم الجبهة الاسلامية كتجمع لبقايا مايو والانتهازيين وحتى المشبوهين المرتبطين بمراكز أجنبية إضافة الى التخلف الفكري للجبهة مع انتفاخها البالوني الغوغائي .
8.                    النظام الفدرالي الذي طبقته الجبهة الاسلامية في الحكم وعدته من ثوابت الدستور دون توفير مستلزمات التنمية .
ولكي نؤكد على مدى صحة هذه العوامل نستشهد باعترافات الترابي نفسه بعد أزمة انقسام حزبه في ديسمبر 1999م واستمرارها حتى اليوم بعد أن سقطت فكرياً وسياسياً دون أي أمل في تجددها :
1.     في الندوة السياسية التي اقامها الترابي بجامعة القرآن الكريم بامدرمان في فبراير / شباط 2000م يشير الترابي الى جذور أزمات الاتجاه الاسلامي السياسي في السودان بالقول : (( على مدى تاريخ الحركة الاسلامية في السودان كان الاجماع ملزماً ، ولكن كنّا ناخذ كثيراً من الأثر الثقافي المصري ، خاصة من حركة الأخوان المسلمين في مصر ، وكان الخلاف أن نؤطر هذا الأثر ونجذره حتى يكون سودانياً ، لا فرعاً مصرياً في السودان )) ويقول : (( من أول الأيــام في الحركة الاسلامية كانت عالمية المدّ وليست فرعاً من اصل )) . وفي الندوة التي نظمتها جمعية الفكر الاسلامي بجامعة الخرطوم تحت عنوان " مستقبل الدولة الاسلامية " يسلط الترابي المزيد من الضوء على جذور الأزمة إذ يقول : (( أزمات الخلاف في السابق كانت بين عالمية منسوبة الى بلد في شمال الـــوادي ( مصر ) وبين محلية ، بين جبهة الميثاق الاسلامي في الخارج والداخل ، كانت على شكل توترات تجاوزناها فيما بعد بالجبهة الاسلامية ، أما الازمة الحالية فهي أعظم الأزمات التي مرت على الحركة ، خاصة أن شهوة السلطة قد دخلــت فيــها ، فالــذي خارج السلطة الآن يأكله الحسد والغيرة ويريد أن يقضي على أخيـــــه )) .
2.     في مقابلة أجرتها معه جريدة القدس العربي بتاريخ 1/5/2000م قال الترابي : (( إذا نزلنا الى واقع الخلاف واقتربنا نحوه ، نجد أن شطراً من الذين في السلطة كانوا عسكريين ، ولم ينشأوا في حركة سياسية وشورى وأخذ ورد وتفاعل مع الآخرين ، بل هي حركة أوامر تنزل من علٍ ، وتنفذ من غير جدل أصلاً وبعضهم كان في نظم أخرى كذلك ، نظم حزبية أو مايوية ايضاً ، وكانت المعاني تتنزل من القيادة الى القواعد ولا تصل من القواعد الى القيادات ، وكان فيهم أيضاً بعض عناصر تربت في الحركة الاسلامية ، ولكن خلط هذا وذاك نتج عنه شئ آخر )) وهنا يشير للأزمة مع العسكريين .
3.     ويؤشر حالة اختراق تنظيم الاسلاميين بالقول : (( أما البنية العضوية للمؤتمر فأنا لا أصرف النظر تماماً عن احتمالاتها لاختراق هذه التيارات ، ولكن مذاهب فقهية وطرقاً صوفية ، وقبليات ، فروح التمزق هذه من الامراض التي تصيب المجتمعات المتخلفة )). وكان قد قال في ندوة جامعة الخرطوم (( إن الغرب هاجم السودان اعلامياً ، وحاول حصاره اقتصادياً ودبلوماسياً ، ولم يفلح ، إلا انه أفلح في الدخول بين صفوف الحركة الاسلامية ، ولكنني لا اريد أن يصيب اليأس الناس من هذا الحديث )) .
4.     يعترف بغياب برنامج للحركة بالقول (( إن الحركة لم تستعد ولم تتهيأ لفقه هو مذهب في كيف نتعامل مع السلطة ، إذا ثابت للدين واختلافات سلطة وشهوات السلطة ، لم تكن لنا تجربة المسلمون ليست لهم تجارب ، وكتبهم ضئيلة جداً في هذا الجانب ، وحتى في جانب الاحكام العامة )) لاحظ كيف سقط شعار " الاسلام دين ودولة " ! (1).
5.     يعترف بفساد جماعته وضعفهم أمام السلطة ، متسائلاً عن الأسباب التي أدت الى أن تتفاعل القوى الغربية مع السودان ، بعد ان كانت بعيدة وتتهمه بالارهاب ، أصبحت تقترب منه لما فيه من ثروات ، واقتربت أكثر بعد أن رات أن الصف الاسلامي بدأ يتصرف عن أصول الدين ويتساقط )) . و (( إن أعضاء الحركة الاسلامية دخلوا السوق فوجدوا أن اخلاقهم في السوق انحطت وبدأوا التجارة ثم الشركات ، ثم جاءت البنوك الاسلامية ، وجاءت حرب الربا منذ أيام مايو ، ومحاربة الربا مازالت شعاراً الى يومنا هذا لأن الدافع لم يكن قوياً )) .
6.     ويبرر التراجع عن الشعارات التي وصل بها الى السلطة قائلاً : (( في السابق كنا لا نستطيع أن نبعد كلمة الاسلام عن اسم الحركة ولذلك جاءت " جبهة الميثاق الاسلامي " و " الاتجاه الاسلامي " ، و" الجبهة الاسلامية القومية " ، ولكن الآن تطور الفهم ورأينا أن الرأي بان نسمي بالمؤتمر الوطني الاسلامي ، قد تنفّر غير المسلمين من هذه البلاد ونحن نريد أن نجمعهم خاصة وان الوجه الاسلامي سوف يظهر فيه وحتماً يكتشف الناس والعالم ان هذا الكيان اسلامي ، إذن ليس هناك مشكلة من ابعاد الاسم الاسلامي للمؤسسات لأن هذه المؤسسات كانت غريبة ، فالجامعة كانت غريبة لذلك سميت بالجامعة الاسلامية وكذلك المركز الاسلامي والبنك الاسلامي )) (1). ( لاحظ هذا الدجل وهذه الحربائية !؟ ) .
7.     ويعترف باهمال التنظيم بعد الوصول الى السلطة عندما يقول : (( وظلت الشـورى حاكمة ، ولكن في التسعينات انقطعت الشورى ، لأننا انقطعنا تماماً عن كل الحركة الاسلامية ، واصبحنا هيئة قيادية ، ومجلس شورى يتكون من بعض مئات من الافراد ، لذلك انقطعت الشورى سنوات طويلة ، وتخرجنا بعد تلك السنـــوات الى المؤتمــر الوطني )) " ( وهذا هو الخطأ الذي وقعت فيه ثورة رمضان في العراق 1963م " ) .
8.     الاعتراف بالكذب على الشعب لصالح الدعوة ( فقه الضرورة ) فقد صرح الترابي في اعقاب قرارات البشير باعلان حالة الطوارئ وحل المجلس الوطني بانه كان العقل المدبر لانقلاب 30/6/1989م وانه اتفق مع البشير على ان يذهب هو الى السجن ويذهب البشير الى القصر ، ويعني ذلك باختصار ان الترابي هو المسؤول عن الانقلاب. ويبرر هذا السلوك بالقول : (( كان الهدف من هذا المسار في السنوات الاولى للانقاذ ان نلهي أهل الغرب واولياءهم الاقربين في المنطقة حتى لا ينقضوا على الحركة والدولة الوليدة – والحرب مكيدة )) . ويعترف حتى بالكذب على حلفائه الاسلاميين في جبهة الميثاق عندما قال (( وحتى في فترات الحرية منذ أيام اكتوبر 1964م حركة الاخوان المسلمين ظلت باقية سراً ودخلت في علاقات ، استغفر الله ، استغفر الله كأنها كانت علاقات نفاق مع جماهير تسمى جبهة الميثاق الاسلامي ، فلقد كنّا ندير الأمر بليل ، ونأتي للآخرين في الصباح ، ونجتمع بهم ونتداول معهم ، ونصّوت معهم ، ونختار القيادات ( استغفر الله ) أنتم الآن تجهرون بالقول ( نبتغي رفع اللواء ) ولكننا كنا نخفيه وكنا نخاف من العلانية حتى لا يراق ريقنا )) (2).
9.     ويعترف بالتناقضات داخل تنظيم السلطة إذ يقول : (( كان المؤتمر يقبل بأي فرد ، فان كان في القوم الجاهلين قائداً ، فهو في المؤتمر قائداً ايضاً ، لذلك كان متوسط التدين ضعيفاً جداً ، وكذلك الولاء ، لذلك كان المؤتمر عرضة لأية فتنة ولا يحتمل الالتزام ، وكان لا يعرف مناصحة ، ولا محاسبة ، واصبح طلب السلطة مطلوباً ، ومعقولاً ومقبولاً ، وكذلك ضعفت الأمانة ، أمانة السر وأمانة المال .. الخ ، ويضيف : الآن المؤتمر في مرحلة انتقالية ، ولابد ان تتنزل عليه قدر هائل من التربية حتى ينضبط كل واحد ، أما ان يكون غوغاء هكذا فانه غداً يمكن ان تنقلب الحال عليه )) .
10.                     ويعترف الترابي صراحة بان (( خطة الدولة الاسلامية اخفقت وفشلت الدولة في المجال الثقافي .. الخ )) .. ويتساءل في حيرة من أمره في آخر ندوة جامعة القرآن الكريم : (( والآن لا أدري ماذا حدث للسودان كله ، وليس للدولة وحدها ؟ ماذا حدث للحركة الاسلامية ؟ ويجيب – لا أدري ؟ .. ورغم ذلك وهو يرثي حركته ويشيعها .. ظلت عينه متجهة نحو السلطة عندما يقول : (( أما الخطـر الأهـم فهو الانشقاق أو الزلزلة ، ولا أعني فقط الانشقاق ، وقد يكون انشقاقاً باطنياً ، ولا ننسى أن أمامنا انتخابات مقبلة ، وتعلمون انه لن يفوز رئيس منّا ولا والي ، إلا إذا بلغ 50% زائداً صوتاً ، أكثر الاصوات ، بل أن يغلب كل الآخرين ، فان لم يغلب في المرة الاولى كانت دورة ثانية ، وتعلمون ما يحدث عادة في الدورات الثانية من تشققات وتحالفات ، وتعلمون كل الدول التي من حولنا تعلمون من تؤيد ، وتعلمون من يريد ان يحافظ على مركزه ووضعه )) ؟ ! يقصد الصادق المهدي طبعاً .. !
ويلاحظ القارئ للاعترافات أعلاه كان قد سبق ان حذر منها الرفيق القائد صدام حسين في نقده للظاهرة السياسية الدينية وحواره معها خلال عقد التسعينات .
 
جذور اختلال التوازن في التنمية في السودان
 
كان الاكاديمي البريطاني واستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة الخرطوم " تيم نبلوك " قد توصل في كتابه حول صراع السلطة والثروة في السودان الى : (( إن التقسيمات الطبقية البارزة في البلدان الرأسمالية النامية قد لا تظهر في الاقتصاديات التي تشمل على انماط انتاج مختلفة ومتنوعة ، وفي هذه الحالة يتميز التركيب الطبقي بدرجة عالية من التعقيد والتداخل ، ففي وسط سكان الريف في السودان مثلاً هناك اختلافات كبيرة في طريقة الحياة الاقتصادية وطريقة تنظيمها ، هناك التمايز الواضح بين الذين يعتمدون على الرعي ، ففي ضفاف النيل في شمال البلاد ، وجبال النوبة ، وبعض أجزاء وسط كردفان ، وفي المناطق الجبلية في دارفور ، وحول المناطق الجبلية في الجنوب وفي بعض المناطق الطينية الوسطى ، يعتمد السكان بشكل رئيسي على الزراعة المستقرة ، وفي المناطق الأخرى تقوم حياة السكان على الرعي .
لقد كانت جهود الادارة البريطانية الاستعمارية في مجال التنمية في السودان تتركز في منطقة تشبه حرف (T) وتتكون من المناطق النيلية شمال الخرطوم ومناطق النيل الازرق والابيض جنوب الخرطوم ( الجزيرة ) ووسط كردفان وجنوب كسلا ، وكانت النتائج الاجتماعية والاقتصادية لهذين المظهرين ذات تأثير هام وحاسم ، فهذان المظهران معاً هما اللذان حددا الديناميات الخاصة للسياسة السودانية )) (1) .
هكذا كان التركيب الاقتصادي للبلاد في نهاية الحكم الاستعماري البريطاني يعكس تفاوتاً كبيراً في مستوى التطور الاجتماعي والاقتصادي بين الاقاليم المختلفة وذلك لان الادارة الحكم البريطاني كانت طوال سنوات حكمها ، تركز جهودها التنموية في المنطقة النيلية وشمال الخرطوم ، ومناطق النيل الابيض والازرق ووسط كردفان وجنوب كسلا حيث تتركز معظم المشاريع الزراعية الكبيرة ( الخاصة والحكومية ) بالاضافة الى الصناعات وخدمات الصحة والتعليم الواسعة نسبياً بالمقارنة مع مناطق البلاد الاخرى )) (2).
لقد قامت القوى الاستعمارية ، تماماً كما فعلت في البلدان التي استعمرتها باعادة صياغة الاقتصاد السوداني انطلاقاً من احتياجاتها ومصالحها هي ومع ان السودان كان اسمياً تحت الحكم الثنائي البريطاني – المصري طوال السنوات 1898-1956م الا ان الواقع الفعلي يقول ان المصالح الذاتية البريطانية هي التي كانت تهيمن على البلاد )) (1).
لقد باشرت بريطانيا خطتها لنهب موارد البلاد بانشاء خطوط السكة الحديد في عام 1899م ثم باشرت في انشاء مشاريع زراعة القطن لتمويل مصانع لانكشير بالمادة الخام ، فبدأت بانشاء مشروع الزيداب للري بالطلمبات على نهر النيل بالقرب من الدامر في عام 1906م ومشروع طلمبات في طيبة بالقرب من مدني في عام 1911م وفي بركات عام 1922م وود النو 1924م ، ثم قيام مشروع الجزيرة 1925م كما انشأت مصنع الاسمنت في عطبرة عام 1939م .. الخ .
وفي فترة الاستعمار البريطاني زاد وزن الزعامات القبلية ودورها الاقتصادي والسياسي وذلك نتيجة لسياسة الحكومة في مجالات الادارة ، فقد كانت السلطات البريطانية ، لا تملك الموارد الكافية ، ولا الجهاز الاداري القادر على فرض سلطة الحكم الاستعمــاري في كافة مناطق القطر ، لذلك اعتمدت على الزعامات والقيادات القبلية وقدمت لها المساعدات الضرورية من اجل القيام بمهام الادارة الاهلية في مناطقها خاصة بعد ثورة 1924م .
أما التكوين القبلي في المناطق شبه الحضرية ( القطاع الحديث ) فقد كان يختلف عن تكوين المناطق الريفية ( القطاع التقليدي في مناطق الرعي والزراعة المطرية ) . ذلك لأن سكان القطاع الحضري كانوا من التجار الذين هاجروا من مناطق أخرى ، خاصة من المديرية الشمالية الى القرى والمدن الصغيرة في انحاء السودان المختلفة . وبينما احتكرت الشركات البريطانية واليونانية تجارة الصادرات والواردات ، تحولت الطبقة التجارية المحلية الى وكلاء للشركات الاجنبية ، خاصة في مجال تجارة الصمغ والثروة الحيوانية والقطن .
هكذا وفي الوقت الذي كان السودان يشق طريقه نحو الاستقلال السياسي كانت أغلبية اعضاء المجلس التشريعي من تلك الفئات التي كانت قادرة على مراكمة الثروة واعادة استثمارها .. وكان الموقع الاقتصادي المواتي لهذه الفئات هو الذي انعكس على كافة السياسات الاقتصادية والاجتماعية في السودان قبيل استقلاله .. فكان جهاز الدولة عشية الاستقلال يتكون بشكل رئيس من ابناء المناطق النيلية والشمالية ، وكانت معظم خدماته تتركز في تلك المناطق ، اما المناطق الاخرى خاصة المديريات الجنوبية والغربية والشرقية فقد حرمت من خدمات الدولة ومن فرص الاستخدام في الوظائف الحكومية في نفس الوقت )) .
لقد كانت الصفوة الاقتصادية تتكون من مجموعة افراد يرتبطون بأربع فئات اجتماعية مختلفة تتمثل في :
1.                    القيادات الدينية الطائفية .
2.                    القيادات القبلية .
3.                    التجار .
4.                    كبار موظفي الخدمة المدنية ( بيروقراطية جهاز الدولة ) .
وبهذا تبلور التركيب الطبقي للمجتمع السوداني قبل الاستقلال كالتالي :
1.                    الطبقة البرجوازية النامية .
2.                    الطبقة الوسطى ( صغار التجار وموظفي الخدمة المدنية ) .
3.                    فقراء المدن والارياف .
من هنا برز الاختلال في تركيب الاقتصاد السوداني في فترة الحكم الاستعماري نجم عنه صراع مزدوج :
أ‌.        بين الافراد الذين كانوا في وضع يمكنهم من الاستفادة من اقتصاديات الحكم الاستعماري ثم اعادة الاستثمار في مجالات استثمارية أدت بدورها الى تقوية موقفهم الاقتصادي ، وبين مجموع السكان من جهة أخرى .
ب‌.   بين مناطـق القطـر التي شهـــدت بعض مظاهر التقدم الاقتصادي والاجتماعي ( القطاع الحديث ) خلال فترة الاستعمار من جهة ، وبين المناطق الاخرى التي لم تجد أي اهتمام يذكر من جهة أخرى ( القطاع التقليدي ) .
لذلك ظهرت الحركات الاقليمية في شمال السودان وسط قبائل الفور والنوبة في المديريات الغربية ، والبجه في الشرق ، وكانت كلها تنطلق من ظروف التركيب الاجتماعي والاقتصادي الذي نشأ وتطور خلال الحكم الاستعماري ، وكانت حركة البجا هي الحركة الوحيدة التي ظهرت قبل استقلال البلاد عام 1956م أما الحركات الاخرى فقد ظهرت بعد ثورة اكتوبر 1964م ورغم قدم حركة البجا كحركة اقليمية الا انها لم تتخذ شكلاً انفصالياً كما حدث في الجنوب ويرجع ذلك الى تجربتها الطويلة في التعايش مع القبائل النيلية . اضافة الى دورها في الثورة المهدية ، وعلاقة بعضها بالطرق الصوفية الاخرى .
وكان ( تيم نبلوك ) قد ختم كتابه حول صراع السلطة والثروة في السودان برؤية متفائلة حيث خلص الى ان مستقبل السودان يبدو محاصراً بالمشاكل الاقتصادية ، ورغم ذلك فان حيوية شعب السودان الدافقة وموارده الهائلة ، وتقاليده السياسية الرفيعة ، توفر الأمل في مستقبل زاهر ، لابد من ايجاد وسيلة لضمان الحريات الديمقراطية في اطار نظام سياسي يستجيب لحاجات الطبقات الأقل حظاً في المجتمع ، وتأكيد ان التباين الديني والعرقي والثقافي هو مصدر للقوة ، وان التفاعل بين هذا التنوع اضافة لحيوية الامة ، وليس انتقاصاً من وحدتها وقوتها )) (1).
 
البعث وحقائق الصراع السياسي والاجتماعي في السودان
 
الموقف من قضايا الريف :
1- في تحليل الحزب الصادر عن ندوة الاشتراكيين العرب الأولى في اكتوبر 1964م – تناول واقع التركيب الاجتماعي في السودان بالقول : (( إن الواقع المحلي العربي في السودان يتميز بتعدد وتنوع أدوات الانتاج ووسائله فهي تمتد من عام 4000 ق.م " الساقية والشادوف " الى عام 1964م " الآلات الإلكترونية " لذلك لا يمكننا ان نتصور الواقع الطبقي فيه كما نتصوره في المجتمعات الصناعية الحديثة التي تحولت فيها الزراعة نفسها الى عملية آلية متقدمة ، لذلك يجب التنبيه الى اننا عندما نتحدث عن التكوين الطبقي لقوى المرحلة السابقة ذات الاطراف الثلاثة " العمال والمزارعين والطبقة الوسطى " فاننا ندري تماماً ومقدماً ان هذا التحديد هو أمر نظري سيساعدنا على الفهم ووضع النظريات ، اكثر مما يساعدنا على رسم وتحديد برامجنا السياسية واستراتيجية عملنا ، مثلاً من الامور التي يجب ان نعيها ان قطاعات ضخمة من شعبنا لاتزال رعوية بدوية ومسجونة في اطارات اقطاعية ومعيشية تمنعها من مجرد الحركة السياسية. وهذا امر مهم بالنسبة للحركة العربية في السودان بالذات لأن هذه القطاعات " (جماهير الانصار والختمية والبدو عموماً ") هي أقرب قطاعات شعبنا الى العروبة بمفهومها الثوري الكلاسيكي التقليدي ، وعلينا تقع مهمة تطويرها للارتباط بالعروبة بمفهومها الثوري الحديث )) (2).
2- في برنامج حزبنا في السودان برنامج الثورة الوطنية والقومية التقدمية في السودان الذي نشره في وثيقة البعث وقضايا النضال الوطني في السودان عام 1973م ورد حول الاصلاح الزراعي في القطاع التقليدي الاهداف التالية (3) :
1.     العمل على جذب القطاع التقليدي الى القطاع الاقتصادي الحديث بهدف تحريك امكانيات وموارد هذا القطاع ودفعها للمساهمة في تطور الاقتصاد الوطني وذلك عن طريق العمل على توجيه جزء أساس من استثمارات القطاع العام سنوياً وتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في هذا القطاع .
2.     العمل على حل مشكلة العرب الرحل حلاً جذرياً عن طريق خلق مناطق استقرار تتوفر فيها شروط احتياجات الرعي والزراعة المستقرة .
3.     نشر روح التعاون وتشجيع قيام الجمعيات التعاونية الانتاجية " في الزراعة وتربية الحيوان " والاستهلاكية بهدف زيادة الانتاج وحماية صغار المنتجين وفقراء الريف من جشع اغنياء التجار ونظام الشيل .
4.     العمل على انشاء الصناعات المرتبطة بامكانيات القطاع التقليدي " الالبان ، الفواكه ، الاخشاب …الخ " .
5.     تصفية الادارة الاهلية ومراكز النفوذ الطائفي والقبلي التي تشل قدرات وامكانيات جماهير الريف واقامة نظام اداري ديمقراطي حديث .
3- وفي معرض تحليله لتطور الحركة الوطنية السودانية تناول البعث ثورة اكتوبر 1964م واهميتها التاريخية واسباب انتكاستها .. ولاحظ (( ان نضال المؤتمر الوطني للدفاع عن الديمقراطية اثبت عمق جذور الحركة الشعبية ، وارتباطها الصميم بعوامل التغيير الاجتماعي التي حركتها ثورة اكتوبر المجيدة ، وهذا ما انعكس في تصدر القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير لحركة النضال وعلى رأسها : الطبقة العاملة ، المزارعون ، المثقفون الوطنيون ، والرأسمالية الوطنية المرتبطة بالسوق الوطني . كما انها جذبت قوى التغيير داخل اطار القطاع التقليدي والتي تمثلت في الاتحادات الاقليمية والمطالبة بتصفية الادارة الاهلية والاصلاح الزراعي ونشر الخدمات الصحية في مناطقها ، ان ذلك يؤكد ارتباط النضال من أجل توسيع الديمقراطية بقضية التغيير الاجتماعي والاقتصادي ، واي فصل بينهما انما هو ضرب من الوهم ولن يؤدي الا الى مزيد من البلبلة والارتباك وسط الجماهير )) (1).
4- ولاحظ تحليل البعث أن القوى التقليدية التي تربعت على كراسي الحكم طول سنوات ما بعد الاستقلال قد فشلت في تحقيق اهداف ما بعد الاستقلال المتمثلة في التنمية والقضاء على التخلف وتحقيق الاستقلال الاقتصادي عن السوق الرأسمالية العالمية ، وان الصورة العامة للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية تدفع هذه القوى ، وتكشف عجزها عن اجراء تغ

المزيد


محـــــاور النضــــــال الشـــعبي لتجاوز الأزمة الوطنية الشاملة

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , فكر البعث

 

بســــــــم الله الرحمن الرحيــــــــم
حزب البعث العربي الاشتراكي                                                               أمة عربية واحدة
     قيادةقطــر الســـودان                                                                ذات رسالة خالدة
 
 
محـــــاور النضــــــال الشـــعبي
لتجاوز الأزمة الوطنية الشاملة
 
 
 
 
يا جماهيـــر شــعبنا المناضــلة ..
إن مجمل التطورات التي تعتمل في صفوف بعض أطراف المعارضة والسلطة الحاكمة ، في سياق بحث الطرفين المتصل للخروج من أزمتهما . والتي ما يزال حزبنا عند يقينه ، من أن الأزمة الشاملة التي تمر بها بلادنا هي أزمة القوى التقليدية في الحكم والمعارضة والتي تدفع بطرفيها باتجاه بلورة ما يسمى بالمصالحة الوطنية ، كمشروع يجري تنفيذه ، بعد أن كانت احتمالاً نظرياً وارداً ، من ضمن احتمالات أخرى ، ظلَّ حزبنا طيلة الفترة الماضية يسلط الضوء على قوى دفعها وأطرافها والعقبات التي تقف في طريقها مع تقديره من ان القوى السياسية والاجتماعية المحلية المرشحة أكثر من غيرها لدخول المصالحة ، والدوائر الاقليمية والدولية صاحبة المصلحة في تحقيق مثل هذه المصالحة ، ستعمل على تذليل تلك العقبات كما فعلت في مصالحة 1977 إبان الدكتاتورية المايوية ، منبهاً الى حقيقة كونها واحداً من الحلول والبدائل الزائفة التي تعمل أطرافها ، وقوى دفعها على التأقلم والتعايش مع النظام باطالة أمده وتوسيع قاعدة مشاركته السياسية . وكمحاولة لقطع الطريق أمام القوى ذات التناقض الجذري مع النظام القائم . إن تلك التطورات ومستهدفاتها تحتم تسليط المزيد من الضوء على الخلفية التاريخية السياسية والاجتماعية ، للجذور التصالحية المشتركة ، لتلك القوى والوقوف عند حقيقة قدراتها وإمكانياتها ونتائج تجاربها السابقة .
لقد قام حزبنا ومنذ بدايات نشأته بتحليل واقع وإمكانات وإتجاهات مختلف التكوينات السياسية والاجتماعية والعسكرية السودانية ، مثلما دأب على ذلك في مختلف منعطفـات النضال الوطني والقومي والمراحل التي مرت بها ، منطلقاً من منهجـه القومي الثوري المتكامل الأبعاد ، ابتداءاً من تحليل مارس 1962 وما تلاه حتى الآن .
فلقد أشارت مجلة الحزب - وعي الجماهير - في يناير 1976 إلى أنه من الخطأ اعتبار التناقض بين القوى التقليدية وبين قوى اليمين الحديث تناقضاً رئيسيا ، يمكن الاعتماد عليه بمغازلة أحد طرفيه . معتبرة أن مغازلة النظام لن تؤدي إلاَّ الى إعطائه صك براءة وغفران عما ارتكبه في حق الجماهير ، وتضليل وإرباك لنضالها المتصاعد بخطى واسعة وحثيثه . بينما مغازلة القوى التقليدية ، لن تكون إلا استجابة وخدمة مجانية لتكتيكاتها المستهدفة - وما زالت - الاتفاق مع النظام أو إسقاطه لمصلحتها .
وخلصت ، وعي الجماهير ، إلى أن اليمين بقسميه - القديم والحديث - هو في المحصلة النهائية التناقض الرئيسي أمام جماهير شعبنا بنفس مستوى العدو الأساس ، لهذه الجماهير ، الصهيونية والعنصرية والامبريالية العالمية . وجاءت التطورات السياسية اللاحقة مصدقة لما بين يدي ذلك التحليل ، حيث انخرط الأخوان المسلمون والصادق المهدي مع نظام نميري ، فيما عرف بالمصالحة الوطنية 77 -1978 ، بينما رفض حزب البعث العربي الاشتراكي وتصدى بمسؤولية لمواجهتها معتبراً اياها محاولة لانقاذ النظام المايوي من السقوط من خلال تجديد دماءه بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ، ومن أجل قطع الطريق أمام البديل الوطني الديمقراطي المستقل . ولبلوغ ذلك الهدف لعبت أمريكا وأطرافاً عربية دوراً كبيراً من خلال ممارسة الضغط على كل الأطراف ، من أجل الوصول الى تلك المصالحة التي اجتمعت تحت سقفها قوى التبعية والارتباط بالأجنبي وطريق التطور الرأسمالي ومعاداة التطور الديمقراطي المستقل .
بعيد المصالحة وفي مايو 1978 أصدر حزبنا بياناً بعنوان (نحو مخرج ديمقراطي تقدمي لأزمة التطور الوطني ) أكد فيه (( أن الصراع السياسي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي حقيقة موضوعية ، وله أفقه التاريخي الذي يتجه نحوه .. صراع بين الجماهير الواسعة التي تريد حرية وطنها وتقدمه انطلاقاً من تطور حركتها المستقل عن القوى المعادية للثورة الوطنية التقدمية بأفقها الاشتراكي ، وبين فئة اجتماعية محددة تريد احتكار السلطة لمصلحتها الطبقية الضيقة ولمصلحة أسيادها الامبرياليين ، وهو ما طبع ساحة الصراع السياسي داخل السودان منذ أن نال استقلاله وحتى الآن . وأن ما يجري هذه الأيام هو جزء هام من هذه العملية رغم محاولات التغبيش والتعتيم التي تصاحبه )) ، وإعتبر ذلك البيان أن التطورات السياسية ستؤدي الى انشاء تحالف معارض صحيح سيعيد خارطة الصراع السياسي في البلاد الى صورة الاستقطاب الاستراتيجي بين القوى الرجعية بكافة أطرافها والقوى الوطنية التقدمية ، الأمر الذي يهيئ ظرفاً موضوعياً لتنامي وتجذر حركة الصراع السياسي والاجتماعي ، كما يفرض على القوى الوطنية التقدمية أعباء كبيرة باتجاه توفير الشروط اللازمة لاستنهاض الحركة الجماهيرية على قاعدة الوضوح السياسي الذي شلَّ غيابه خلال الفترة الماضية مبادرات الجماهير وإندفاعاتها الديمقراطية الثورية .
وفي خطوة عملية على ضوء ذلك التقييم ، حدث تحالف هام في مسيرة التطور الوطني ومناهضة الدكتاتورية ، في يوليو 1979 بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي ( عليه رحمة الله ) ، ذلك التحالف مضافاً له انتفاضة يناير 1982 ، التي انطلقت من اضراب المعلمين وإمتدت لفئات أخرى ولعب فيها الحزب دوراً كبيراً ، قد فتحا الطريق لتكوين جبهة أوسع تمثلت في (( تجمع الشعب السوداني )) ، والذي ضمَّ اضافة الى البعث والاتحادي الديمقراطي بقيادة الشريف حسين الهندي ( عليه رحمة الله ) أنصار الامام الهادي المهدي وحزب سانو ، وتضامن أبناء غرب السودان وشخصيات وطنية وقومية مستقلة ، حيث خاض تجمع الشعب السوداني نضاله مع جماهير الشعب حتى تكلل بالظفر في انتفاضة مارس /أبريل المجيدة ولقد أصدر عدداً من البيانات وأصدر مجلته الدورية ( التجمع ) التي صدر عددها الأول في نوفمبر 1982 ، والتي وردت فيها الفقرات الثلاث التالية :
* انجاز الاضراب السياسي طريقنا لاسقاط نظام الجوع والارهاب .
* التفوا حول فروع تجمع الشعب السوداني ، فهي أداتكم لاسقاط نظام الجوع والارهاب وبناء سودان الديمقراطية والتقدم الاقتصادي والعدل الاجتماعي .
* يا جماهير العمال والطلاب والموظفين والمهنيين والزراع والجنود والمثقفين الثوريين ، إن تجمعكم ، تجمع الشعب السوداني ، يطالبكم بتصعيد التعبئة ورفع الفعالية من أجل إنجاز الاضراب السياسي العام والشامل ، فهو سلاحنا الحاسم لاسقاط نظام الجوع والارهاب .
لقد اتخذ الاصطفاف الذي أفرزته المصالحة وقواها ، طابع الاستقطاب الاستراتيجي ، كما أشار الى ذلك بيان مايو 1978 ، بين البعث والقوى الوطنية من ناحية ، وبين مراكز البديل الأمريكي الزائف وجهوده العاثرة ما بين 83-1985 باستهداف بناء جبهة موازية لتجمع الشعب السوداني من ناحية ثانية ، ومن ثم التآمر ليلة 5/6 أبريل 1985 على الانتفاضة الشعبية وإفراغها من محتواها والتمهيد لاعادة القوى التقليدية المدنية بعد أن فشلت ، وللمرة الثانية واجهتها العسكرية التي قاومتها وأسقطتها جماهير الشعب بسلاحها المجرب ، الاضراب السياسي والعصيان المدني ، وذلك بعزل حزب البعث عن التوقيع على ميثاق التجمع الوطني الديمقراطي ، بالرغم من دوره المشهود في مقاومة النظام المايوي والتحضير للانتفاضة الشعبية منذ مارس/آذار 1985 من خلال اضراب عمال السكة حديد في عطبرة الذي تزامن مع العمل الذي تم في الخرطوم ، وبالمحاولات المستمرة لتهميش دوره داخل التجمع في الفترة الانتقالية ( أبريل 85- أبريل 86) كما تابعت تفاصيل ذلك جماهير شعبنا ، التي أدركت بخبرتها وتجاربها أن التناقض بين القوى التقليدية والأنظمة الدكتاتورية لم يكن - في يوم من الأيام - تناقضاً أساسياً وجوهرياً ، بل يمثلان دائماً وعلى التعاقب أو بالتصالح نفس القوى الاجتماعية المتحكمة في المجتمع منذ فجر الاستقلال .
لقد كانت المحاور الأساسية للصراع السياسي والاجتماعي خلال الديمقراطية الثالثة تتركز بين قوى الانتفاضة وفي قلبها حزب البعث العربي الاشتراكي وبين قوى الردة من بقايا مايو ، صراعاً بين من يرديدون ترسيخ الديمقراطية وتطويرها وتوطينها وربطها بالانجاز لصالح الجماهير الكادحة والرفض الحقيقي للتبعية لسياسات صندوق النقد الدولي وإقتصاد السوق الرأسمالي المفتوح ومعالجة الأزمة الاقتصادية وتوفير شروط التنمية الشاملة والمتوازنة والمستقلة ، وإشاعة الحريات العامة ونبذ العنف في العمل السياسي وتصفية آثار مايو ومرتكزاتها وسياساتها وعقليتها وبقاياها ، ومن أجل ترسيخ الوحدة الوطنية والمحافظة على استقلال السودان وسيادته الوطنية وحرمة ترابه ، وكافة الحريصين على تضامنه الوثيق مع القوى الحرة في الوطن العربي ومساندته للنضال الأفري

المزيد


الحريات والمجتمع في فكر البعث

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , فكر البعث

 

 
 
 
 
الحريات والمجتمع في فكر البعث
 
يجب أن نعترف بداية في هذا الحوار أننا لا نحاول استعراض ماض فكري لنقف عنده.. بقصد التمجيد.. لأن ذلك يعني الوقوف في المكان وعدم تجاوز الماضي.. وليس القصد من ذلك استعادة الماضي لتزيين الحاضر أو نغطي على عيوبه.. وإنما القصد من ذلك هو الاستفادة من استعراض الفكر في ماضيه وحاضره.. انطلاقاً به لبناء المستقبل مع ضرورة التأكيد على إسقاط السلبي وتكريس الإيجابي وذلك لأن تطور الفكر الإنساني هو عملية تراكم معرفي يغني بالنظرية المبنية على العلم والمعرفة الفكرية ويقّوم ويتنامى من خلال الممارسة والتطبيق..
وفي موضوعنا اليوم عن الحريات والمجتمع في فكر البعث لا بد أن نتفق على عدد من المقولات حتى نجد رابطاً في استعراضنا لهذا الفكر وتقييمه وتشكيل الموقف منه وليس قصدنا من ذلك هو التوجيه لفرض نسق فكري ومعرفي على الناس.. لأن ذلك ليس من صلاحياتنا أولاً ولسنا مؤهلين له ثانياً كما أن البعث كحركة إحياء عربية قومية ترفض فرض هذه الوصاية على الجماهير.. وحتى بعد تأسيس الحزب 1947 وفي مادته الخامسة جاء ما يلي: حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك للشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير.. كما أن، قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها.. لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والاقتصادي والصحي لكي يستطيع الشعور بشخصيته وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية..
هذه المقولات هي:
1. المقولة الأولى.. إن فكر البعث موجه للأمة وليس إلى طبقة ونعني بأن مصطلح الأمة يختلف عن معنى القومية فالأمة هي مجموع الشعب الذي يعيش على أرض وينتمي إلى تاريخ ويتكلم لغة واحدة ويتطلع إلى عيش مشترك وآمال مشتركة.. ومن هذه المقولة يفترض أن تحتوي الأمة على أديان مختلفة أو أعراق مختلفة.. ولكن الأمة كنسق حضاري واجتماعي قادرة على صهر جميع الناس في بوتقة واحدة كما هو الحال في الدولة العربية الإسلامية.. والأمثلة على ذلك في العصر الحديث كالأمة الأمريكية والأمة الفرنسية والأمة العربية.. وقد أكدت المادة الأولى من الدستور الحزبي على أهمية الوحدة الثقافية والاقتصادية للأمة العربية.
2. المقولة الثانية.. هناك ترابط بين مفهوم الدولة وبين الوطن.. وذلك لأنه لا يمكن للدولة أن تظهر وتمارس عملها بين مجتمع الدول إلا بكونها دولة ذات سيادة ولكي يعترف بها كدولة يجب أن تمارس سيادتها على أرض.. وأن يكون لها قدرة على الاستمرار في ممارسة السيادة.. أي لا بد من شعب يتولى أمر هذه الدولة والسلطة فيها..
3. المقولة الثالثة.. إن قيمة الدولة تتوقف على انبثاقها من إرادة جماهيرية تعطيهم الحق في اختيارها.. وأن لهم مطلق الحرية في هذا الاختيار.
4. المقولة الرابعة .. إن الحزب الذي يتولى التغيير في المجتمع ليتولاه عن طريق إرادة الجماهير الواعية ولمصلحتها بهدف رفع المستوى العقلي والاقتصادي والأخلاقي وممارسة الحقوق الفردية والقومية.
5. المقولة الخامسة.. إن بعث الأمة وبناء الاشتراكية تم عن طريق الانقلاب على الواقع وبالنضال وإن التطور البطيء والإصلاح الجزئي السطحي يهددان الأهداف بالفشل والضياع (المادة6 من الدستور) ويعني الانقلاب على الواقع الفاسد انقلاباً في جميع مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
6. المقولة السادسة .. إن الحزب حزب ديمقراطي اشتراكي ومجال ساحته هو الوطن العربي.. وفي ذلك تقول المادة /14/ من دستور الحزب ما يلي :نظام الحكم في الدولة العربية هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية الذي ينتخبها الشعب مباشرة وتكمل المادة 17 المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن الإرادة وفق القوانين.
7. المقولة السابعة.. يعتبر الحزب أن هناك تلازماً بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية.. ولذلك يقول في المادة /28/ " المواطنون جميعاً متساوون بالقيمة الإنسانية ولذا فإن الحزب يمنع استثمار جهد الآخرين وفي هذا السبيل يطلب في المادة 29 وضع المؤسسات ذات النفع العام وموارد الطبيعة الكبرى ووسائل الإنتاج الكبيرة ووسائل النقل ملك للأمة تديرها الدولة مباشرة وتلغى الشركات والامتيازات الأجنبية في المادة 30-31 وتطالب بتحديد الملكية الزراعية بما يتناسب مع مقدرة المالك على الاستثمار وكذلك تحديد الملكية الصناعية الصغيرة وبما يتناسب مع المستوى الاقتصادي الذي يتمتع به المواطنون في الدولة.
8. المقولة الثامنة .. ينطلق الحزب من إعطاء المرأة حقوقها كالرجل دون تمييز (المادة 12) ويؤكد على ثقافة المجتمع وإلغاء التفاوت الطبقي والتمايز (41-42) وعلى حق المواطنين في التعليم (المادة 45 وحق التعلم المجاني في كل المراحل المادة 46).
كما يؤكد الحزب أنه حزب قومي إنساني وهو جزء من حركة الإنسانية ضد الظلم كما يؤكد على حرية الشعوب واستقلالها والربط بين حرية الوطن وحرية المواطن ويدعو إلى حوار الثقافات الإنسانية ويعتبر أن الأمة العربية في تاريخها أعطت للإنسانية وتأخذ من الإنسانية بما يحقق لها استمرار رسالتها الخالدة
 
الحريات والمجتمع في فكر البعث
ممارسة السلطة
 
أرسى الحزب بعض المفاهيم حول السلطة وممارستها - بحيث أن سلطة الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين وجنود ومثقفين ثوريين وبرجوازية صغيرة.. وأعطى أشكالاً للممارسة الديمقراطية في ظل تصور مفهوم للحرية ربط فيها بين حرية الفرد من الاستغلال وحرية الأمة من الاستعمار.. وجعل نوعين من التلازم بين التحرير الاقتصادي أي بناء الاشتراكية وبين التحرر من التبعية والاستعمار.. كما أنه جعل الطبقة الكادحة من جهة وطبقة الرأسمالية والإقطاعيين والمتحالفين مع الاستعمار في جهة أخرى كما جعل أعداء الوحدة العربية هم حلفاء أعوان الاستعمار.. ((هذا ما تظهره المنطلقات النظرية للحزب الذي أقره المؤتمر القومي السادس للحزب 1963.
ثم تحدثت هذه المنطلقات عن دولة الحزب القائد ودور الحزب الطليعي وبناء الديمقراطية الشعبية وضرورة تنظيم الجماهير في منظمات مهنية ونقابية الخ.. هذه الأفكار حول الحرية والديمقراطية وأعطت سلطة الحزب في الواقع التطبيقي ومن خلال أش

المزيد





مكتب الطلاب - حزب البعث العربي الإشتراكي  


قيادة قطر السودان