البعث ومسألة جنوب السودان (دراسة)
تمهيــــــــد :
دور الاستعمار البريطاني في خلق مشكلة الجنوب
تشكل قضية جنوب السودان إحدى القضايا المزمنة والموروثة من العهد الاستعماري البريطاني في السودان (1898-1956) ، حيث فشلت الحكومات المتعاقبة على حكم السودان بعد الاستقلال في وضع حل جذري وحاسم لها وظلت الحرب الأهلية الطويلة في الجنوب تستنزف إمكانيات السودان البشرية والاقتصادية وتكبل قطرنا من السير في طريق التنمية والتطور والاستقرار ، وتشل دوره في حركة النضال العربي والأفريقي من أجل الوحدة والنهوض ومواجهة التحديات الاستعمارية الجديدة .
لقد كانت السياسة البريطانية في جنوب السودان منسجمة مع السياسات الاستعمارية الغربية عموماً تجاه أفريقيا .. تلك السياسة التي قامت على نهب ثروات شعوب القارة وإستعباد شعوبها ، ومسخ هوياتهم تحت شعار ( عبء الرجل الأبيض) ، وإذا كانت أفريقيا قبيل تلك المرحلة تتفاعل ومنذ أمد بعيد مع الثقافة العربية الاسلامية وبدرجات متفاوتة ، كانت السياسة الاستعمارية الغربية تتركز على استئصال عمليات التفاعل والتكيف الثقافي الحر عبر الاتصال الثقافي والاقتصادي بين شعوب القارة .
وإذا كانت بريطانيا تفاخر بأن سياستها الاستعمارية بوجه عام كانت تقوم على إحترام الخصائص الثقافية والأنثروبولوجية لشعوب المستعمرات ومارست هذا الشعار فعلاً في الكثير من مستعمراتها .. إلا أنها مارست العكس تماماً فيما يتعلق بجنوب السودان .. حيث عملت على تغيير إتجاهات أبناء الجنوب بالضد من اخوانهم في الشمال .. وعبر وسائل خبيثة وحاقدة تقوم على الدعاية السوداء والحرب النفسية ، وعندما شعرت بقصور هذه السياسة لجأت الى أساليب القوة بخلق المناطق المقفولة ، وفرض ثقافتها الانجليزية ذاتها على الجنوب .
إن سياسة الدمج الثقافي التي مارسها الاستعمار الفرنسي في المغرب العربي ، والتي كانت تصفها بريطانيا ( بالغباء ) .. إلآ أنها مارست فعلاً هذا الغباء في جنوب السودان . تلك السياسة التي اتسمت بالتخبط والتناقض .. لم يكن دافعها إقتصادياً فحسب ، بل (الحقد ) والتعالي العنصري ، على الثقافة العربية الاسلامية ، التي قاومت سياساتهم الاستعمارية بشراسة في الشمال الأفريقي ( المهدي ، عرابي … الخ ) .
يركز هذا المبحث على تتبع الجذور التاريخية للسياسة البريطانية في جنوب السودان ، والأساليب التي اتبعتها في خلق الحاجز النفسي بين أبناء جنوب السودان وشماله ، والقائمة على الكذب وتشويه الحقائق التاريخية ، وممارسة كل أشكال التضليل .. ورغم أن هذه السياسة فشلت تماماً في تطوير الجنوب وتنميته ، لكنها نجحت الى حد كبير في خلق المشكلة بين الشمال والجنوب .
الجنوب في ظل الاستعمار التركي (العثماني) للســــــــــودان 1821-1885 :
لم تشمل حدود مملكتي الفونج والفور العربيتين الاسلاميتين مناطق الجنوب الحالي ، حيث كانت قبائل بحر الغزال والاستوائية تعيش في حروب قبلية مستمرة ، ورغم ذلك كانت هنالك إتصالات تجارية محدودة بين الجنوب والشمال .. تعوقها العوامل الجغرافية وصعوبة المواصلات .
ومع الغزو التركي ( العثماني) للسودان 1821 .. خضعت البلاد لأول مرة لحكومة مركزية واحدة ، إمتد نفوذها الاداري حتى بحيرة فكتوريا ، وأصبح السودان بأسره جزءاً من الامبراطورية العثمانية . ومنذ ذلك التاريخ أصبح جنوب السودان قبلة للمكتشفين والرحالة ، والتجار .. وكان هاجس إعادة إكتشاف منابع النيل ، وجمع المعلومات في الجنوب من أبرز المسائل التي إهتمت بها الادارة التركية .
كما أدى نشر مؤلفات الرحالة . وتوطيد النظام الاداري إلى مضاعفة إهتمام التجار بالجنوب ، وفتح أبوابه على مصراعيها للنفوذ الخارجي . حيث كان النيل هو الطريق الوحيد الذي يربط بين الشمال وشقي أفريقيا ، كما أن مياه النيل كانت تشكل شريان الحياة لمصر . وشهدت تلك المرحلة إندفاع الدول الاستعمارية الغربية للغزو التنافس على إحتلال أفريقيا ونهب ثرواتها .
وعندما عينت السلطات التركية (الجنرال غوردون) البريطاني الجنسية مديراً لمديرية الاستوائية .. قام بتشجيع الارساليات المسيحية الغربية للعمل في جنوب السودان .. ففي عام 1871 حرر خطاباً لاتحاد الارساليات الانجليزية داعياً اياها للعمل بمديريته . وكانت الثقافة العربية الاسلامية في ذلك الحين تتقدم ببط وسط القبائل الوثنية . حيث أن السياسة التركية في السودان لم تول جهودها أي اهتمام بنشر الثقافة العربية الاسلامية . حيث تركزت جهودها في إقامة حاميات في المداخل الرئيسية لطرق التجارة .. لغرض تنظيم تجارة الرقيق وسن الفيل مع الاداريين البريطانيين والغربيين الذين إستعانت بهم السلطات التركية في حكمها للسودان .
ورغم ذلك قاومت القبائل الجنوبية ، الادارة التركية ، ونشاط الارساليات والتجار الأجانب بعنف ، مما عرضها لحملات تأديبية واسعة ، ساهمت في اضعافها وخضوع بعضها . في نفس الوقت الذي كانت فيه القبائل السودانية الشمالية تقاوم المستعمر وتواجه حملات الدفتردار الانتقامية .
من هنا يمكن الاستنتاج بأن الادارة التركية لم يكن لها إلا أثراً سطحياً على جنوب السودان من حيث تفاعله مع الشمال .. بل هي التي ساهمت في فتح الجنوب للنفوذ الأجنبي الغربي والحملات التبشيرية وتجارة الرقيق في جنوب السودان وشماله .
2- الجنوب في ظل الثورة المهدية 1881-1898:
عندما إندلعت الثورة المهدية في شمال السودان تحالفت معها القبائل الجنوبية ضد الاستعمار التركي .. ورغم ذلك لم تتمكن الثورة المهدية من توطيد وبسط نفوذها في كل أرجاء الجنوب حيث تراجعت جيوش المهدية نحو الشمال بعد أن إصطدمت بالجيش البلجيكي المرابط في الكونغو .. كما أن المهدي كان يتطلع لحشد قواته نحو الشمال بهدف تحرير مصر . لذلك لم يرغب في إشغال نفسه بمعارك جانبية في الجنوب تشتت قواه .
لقد إنتهز الجيش البلجيكي هذه الظروف ليسيطر على منطقة اللادو في جنوب السودان . ورغم ذلك أدى قيام الثورة المهدية الى الحد من النفوذ الاستعماري في أغلب جنوب السودان .. ومن أبرز إنجازات الثورة المهدية إنها حرمت تجارة الرقيق تحريماً قاطعاً ، خاصة في عهد الخليفة عبد الله التعايشي .
3- الجنوب في ظل الاستعمار البريطاني (1898 - 1956 ) :
بعد الغزو البريطاني للسودان وإحتلاله في عام 1898 وقع الجنوب مرة أخرى تحت النفوذ الأجنبي - وبرز الصراع البريطاني الفرنسي - البلجيكي على منطقة اللادو .. ويعكس الصراع الاستعماري على الجنوب أهميته الستراتيجية والتجارية بالنسبة للدول الاستعمارية .
لم يسلم أبناء الجنوب بالهيمنة الأجنبية . بل دخلت القوات البريطانية في معارك طاحنة مع القبائل الجنوبية . خاصة مع قبائل النوير والدينكا العاليات واللادو وغيرها .. لذلك واجهت السلطات البريطانية مشكلتين أساسيتين في جنوب السودان مع بداية الاحتلال:
1- توطيد النظام الاداري وإخضاع وتأديب القبائل المعادية له وذلك بانشاء حاميات تحت اشرافه ، حيث لم تستتب الأمور إلا بعد إنشاء تلك الحاميات في عام 1900 حيث إقتصرت جهودها في بادئ الأمر على سيطرتها على المناطق والمراكز التي سبق للادارة التركية السيطرة عليها .
ومع إكتمال إخضاع الجنوب نشطت السلطات البريطانية من جديد في تشجيع عمل الارساليات المسيحية الغربية .. ولم يكن هدف هذه الارساليات هو مجرد القيام بالتبشيرالديني .. فإن كان الأمر يتعلق بهذا الشأن فلا إعتراض على ذلك ، ولكنها كانت تقوم بدور سياسي ودعائي خبيث يستغل الغطاء الديني لتحقيق أهداف الاستعمار البغيض . وكانت الدعاية الدينية لا تقوم على قيم المحبة والسلام كما هو شأن الدين المسيحي ، وإنما كانت تقوم أساساً على إثارة الحقد والبغضاء ، ونشر الكراهية بين أبناء الجنوب وإخوانهم في الشمال .. برغم أن الشماليين أنفسهم كانوا خاضعين للاستعمار التركي وقاوموه في أروع وأشجع ثورة وطنية وهي الثورة المهدية ، وحاولت هذه الارساليات تحميل الشماليين أوزار وجرائم الاستعمار التركي ، برغم معرفة البريطانيون ومخططي الارساليات الغربية بمواقف العرب مسلمين ومسيحيين من الاستعمار العثماني ، وكيف قاوموه ببسالة في ثورات مشهودة في المشرق والمغرب ، برغم ذلك كان الخطاب الدعائي الاستعماري للارساليات الغربية يتعمد الخلط بين العرب والأتراك .. ويصور لأبناء الجنوب بأن العروبة والاسلام هي الثقافة التي مارست الرق في السودان ، والايحاء بأن العرب والمسلمين في الشمال هم الذين يتحملون تلك الجرائم برغم أنهم كانوا أول ضحايا الاستعمار التركي والبريطاني وجرائمه .
مخططات فصل جنوب السودان ومحاربة الثقافة العربية الاسلامية:
في عام 1911 تقدم مدير مديرية منجلا ومنطقة اللادو (ر.س أوين) بإقتراح للحكومة المركزية يكون هدفه (( تكوين مجموعة كبيرة من الأفراد المسيحيين الجنوبيين ترتبط مع الزمن بسكان يوغندا ، وتكون حائلاً دون انتشار الدين الاسلامي )) . وفي عام 1918 إعتبرت الادارة البريطانية يوم الأحد عطلة رسمية بالجنوب واللغة الانجليزية هي اللغة الرسمية فيه .
وفي عام 1920 كتب أوين يقول : (( لقد حان الوقت لفصل هذه المديرية ( أي مديريته ) عن باقي أجزاء السودان . أو اقرار سياسة أكثر حزماً بالنسبة للادارة )) (1) .
وفي مذكرة قدمت للجنة (ملز) أوضحت الحكومة البريطانية سياستها الانفصالية تجاه الجنوب ، حيث قالت : (( إن الحكومة عازمة على إستبعاد أي نفوذ للدين الاسلامي عن الجنوب (..) وأن يوضع في الاعتبار إحتمال فصل جنوب السودان ( الأسود) )) عن شمال السودان العربي . وإرتباط الجنوب ببعض بلدان أفريقيا الوسطى(2) .
ومنذ عام 1921 إتجهت الادارة البريطانية إلى اتباع سياسة محددة في جنوب السودان ، قامت على محورين :-
1- العمل على استبعاد المآمير المصريين وتدعيم سلطات مفتش المركز البريطاني في كل مديرية .
2- إقامة محاكم قبلية من رؤساء القبائل لتطبيق أحكام العرف القبلي .. وفي عام 1922 صدر قانون الجوازات والهجرة . وقد منح هذا القانون الحاكم العام البريطاني الحق في أن يعتبر أية منطقة شاء ، منطقة مغلقة ، كما أعطت المادة (22) للحاكم العام الحق في اعتبار أية منطقة .. منطقة مقفولة كلياً أو جزئياً سواء للسودانيين أو غيرالسودانيين ، وأعطت المادة (23) الحاكم الحق في أن يعتبر أي منطقة مغلقة بالنسبة للتجارة الخارجية ، وفي أن يعتبر أي جزء من السودان منطقة مقفولة للتجارة إلا بالنسبة للأهالي المحليين الذين يقيمون بالمنطقة . وكان للحاكم أيضاً بمقتضى المادة (29) الحق في منع العمال من أي جزء من السودان من ممارسة العمل خارجه أو في أي مكان آخر بالسودان (3)! .
وفي عام 1924 وزع المستشار السياسي المختص في علم الأجناس (ج. هـ . دريبيرج) مذكرة عن الصعوبات التي تنشأ في وجه سياسة تدعيم النظام القبلي ، وكان الأمر المهم في نظره هو ضرورة قيام تعليم هادف الى (( بعث الوعي والروح القبلية )) (4) . قبل محاكم رؤساء القبائل بآداء وظائفها المنوط بها آداء حسناً (…) أي تقوية الادارة الأهلية في الجنوب ، كما هو الأمر في الشمال .
وعلى ضوء مقترحات دريبيرج أرسل السكرتير الاداري لحكومة السودان (ماكمايل) مذكرة للمديرين بالمديريات الجنوبية ، إقترح فيها إنشاء مجالس استشارية محلية في كل مركز وكان الهدف من هذه السياسة ، هو تعزيز نظام الادارة الأهلية القائمة على تقوية الزعامات القبلية والطائفية في مواجهة الشعور الوطني الوحدوي النامي بعد ثورة (1924) الوطنية في الشمال .
وفي عام 1928 عقد مؤتمر بالرجاف حول اللغات في جنوب السودان ، والذي دعت اليه الحكومة وحضره مندوبون عن الارساليات من يوغندا والكونغو والمعهد الدولي للهجات والثقافة الأفريقية . فقد كان هدف المؤتمر هو وضع الأسس لتطويراللهجات المحلية واللغة الانجليزية والحد الشديد من استخدام اللغة العربية . وأختيرت لهجات محلية هي لهجات الدينكا والباري والنوير واللاتوكا والشلك والزاندي ، باعتبارها لهجات التعليم في المرحلة الأولية ، ورفض إستخدام اللغة العربية رفضاً تاماً بإدعاء أنها ستنشرالاسلام في ربوع الجنوب وتؤدي الى تعريبه ، وإدخال فلسفة أبناء الشمال في جميع أصقاعه !.
وفي عام 1930 وضع السير (هارولد ماكمايكل) السكرتير الاداري لحكومة السودان مذكرة عن سياسة الحكومة في الجنوب والعمل بهديها تتلخص في الآتي (5) :-
1- إنشاء وحدات قبلية في الجنوب تعتمد على تنظيم يستند على العرق والتقاليد والتراث القبلي .
2- التخلص من الاداريين والموظفين والمهنيين الشماليين تدريجياً على أن يحل محلهم أبناء الجنوب .
3- إستخدام اللغة الانجليزية للتفاهم حينما يتعذر استخدام اللهجات المحلية .
وقد جاء في المنشور الدوري الصادر عن السكرتير الاداري بتاريخ 25/1/1930 ما يلي : (( إن محاربة استخدام اللغة العربية مسألة ضرورية لتنفيذ أغراض الخطة العامة .. لأن العربية سيقل استخدامها تدريجياً لأنها ليست لغة المحكومين أو الحاكمين )) (6) .
كما إدعى المنشور .. وتطبيقاً لتلك السياسة طلب مدير بحرالغزال من مفتشي المراكز بأنه (( يجب منع استخدام الكلمات العربية مثل الشيخ ، السلطان .. الخ ، واستخدام ما يقابلها باللهجات المحلية ، وإذا تعذر ذلك وجب استخدام المصطلحات الانجليزية ، كما يجب عدم تشجيع رؤساء القبائل والأهالي باطلاق الأسماء العربية على أنفسهم وأولادهم )) . وطلب من المفتشين بأن يطالبوا التجار بمديرية بحر الغزال ، بأن لا يستخدموا العربية عند التعامل مع العملاء ، ولا يتحدثوا إلا باللغة الانجليزية أو اللهجة المحلية . ومنع أحد المفتشين ببحر الغزال التجارمن بيع الملابس ذاتالطابع الشمالي .. كما حرم على رؤساء القبائل شراءها ، لكي يتسنى لهم السير عراة ، وفق العرف القبلي الطبيعي ، وأمر بأنه ((يجب أن تكون القمصان قصيرة ، على أن تكون ذات ياقة وفتحة أمامية على الطريقة الأوربية )) ، إن كان لا بد من لبس الملابس !(..) ، كما منع بيع الطواقي التي تلف عليها العمائم وعدم وضع الملابس العربية .
وهكذا كانت السياسة المعلنة في جنوب السودان في مطلع يناير 1930 تطبيقاً لآراء (مفي) في (( وجوب بناء قلاع أهلية محصنة على الحدود التي حددت بخط عرض 8.45ْ لكي يكون الحد الشمالي للسياسة الجنوبية ، وكان الدافع الوحيد لتلك السياسة هو إقصاء النفوذ العربي.
وقد شرح أحد المسؤولين البريطانيين هذه السياسة نحو الجنوب بقوله : (( إن ما تعنيه السياسة بالجنوب هو محاولة جعل أولئك الناس على خلاف عرب البقارة أو رجال الدين المعروفين بقدرالامكان )) . وقد سبق لمكتب الأجانب أن صرح قائلاً : (( بأن بريطانيا كقطر مسيحي لا يمكن لها المساهمة في سياسة تعضد إعتناق الاسلام بين أقوام من الوثنيين يبلغ عددهم 3 ملايين ، وليس لديهم روابط جنسية أو أواصر قربى مع العرب المسلمين )) . وخلاصة ما تقدم أن السياسة البريطانية التي اتبعت في جنوب السودان حتى نهاية عام 1934 كانت على حد تعبير مديرمديرية الاستوائية (( قد جعلت التلاحم السياسي مع الشمال غير متوقع من وجهة نظرالجنوبيين )) .
وفي خطاب للحاكم العام حرره المندوب السامي البريطاني بالقاهرة عام 1945 أوضح الحاكم العام سياسة حكومته نحو الجنوب بقوله : (( إن السياسة المتفق عليها ، هي العمل على أساس أن سكان جنوب السودان أفارقة زنوج ، يختلفون عن سكان الشمال ، وإن واجبنا الظاهر ، هو الاسراع بقدر الامكان ، في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية والثقافية صوب إتجاه أفريقي زنجي ، وليس وفق الاتجاه العربي السائد بمنطقة الشرق الأوسط ، والذي يتفق مع أصول شمال السودان )) ، وعن ذلك الطريق وحده يمكن اعداد الجنوبيين لمستقبل أفضل ، سواء كان مصيرهم الانضمام الى شمال السودان أو شرق أفريقيا ، وفي حالة الانضمام الى الشمال ، سيكون لزاماً على الجنوبيين بإعتبارهم أقلية تقدمية ، التصدي لأي تغوّل من جانب عرب الشمال ، وفي حالة الانضمام لأي من بلدان أفريقيا ، فإنه يتعين عليهم بذل جهود كبيرة للحاق بالأقطار المتقدمة في شرق أفريقيا )) (7) . وكان السكرتير الاداري (نيوبولد) قد إقترح في عام 1944 إلى الحاكم العام أهمية إعادة النظر إزاء السياسة المتبعة في جنوب السودان في ضوء التطورات السياسية الداخلية والخارجية .
ونتيجة لذلك وضع الحاكم العام مذكرة تضمنت ثلاثة حلول ، تتلخص في الآتي :-
1- ضم جنوب السودان الى الشمال .
2- ضم جنوب السودان الى شرق أفريقيا .
3- ضم أجزاء من جنوب السودان الى الشمال والجزء الآخر الى شرق أفريقيا .
وفي عام 1946 أنشأ المجلس الاستشاري لشمال السودان .. ولم يتمثل فيه أبناء الجنوب .. مما أثار الرأي العام الشمالي ودرست الادارة البريطانية مقترحات الحاكم العام الثلاثة وتوصلت إلى (( أن سياسة حكومة السودان حيال الجنوب ، تقوم في الواقع من أن سكان الجنوب أفارقة زنوج وليسوا عرباً ، وإن كانوا في وضع جغرافي وإقتصادي يجعلهم حسبما يتبين لنا في الوقت الحاضر ملزمين بالتلاحم والاختلاط والنماذج مع عرب الشمال بل الشرق الأوسط ، وذلك بالنسبة لتطورهم حضارياً في المستقبل ، ومن ثم يتعين أن نضمن أن سكان الجنوب مؤهلون عن طريق التعليم والتنمية الاقتصادية للمساواة مع شركائهم سكان الشمال ، سواء من ناحية اجتماعية أو إقتصادية )) (8) . ورغم إعتراض بعض الاداريين البريطانيين لهذه السياسة الجديدة .. أعلن المستر ( ولسن ) مفتش مركز نهر الجور ، تأييده للسياسة الجديدة قائلاً : (( إن أفضل مستقبل يمكننا نحن الانجليز أن نهيئه للجنوب باعتباره نداً للشمال .. هو تحقيق الاتحاد بينهما )) (9) . وقد أبديت فكرة الحكم الذاتي الاقليمي أو الاتحاد الفدرالي بين الشمال والجنوب ، بإعتبارهما الغاية التي ترسمها السياسة الجديدة لأول مرة ، ولقد تبنى السياسيون الجنوبيون فيما بعد ، تلك الفكرة إذ نادى البعض بالاتحاد الفدرالي وآخرون بالحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد للمشكلة .
وفي عام 1947 إنعقد مؤتمر إداري لمديري المديريات في كل السودان أوكلت اليه مهمة معالجة ربط الجنوب بكل من الحكومتين المركزية والمحلية .. وقد أوصى المؤتمربربط الجنوب بالشمال ، وأن يكون للجنوب ممثلون في الجمعية التشريعية (..) ونادى أعضاء المؤتمر بوجوب إلغاء بعض مواد قانون الرخص التجارية لعام 1925 وتوحيد السياسة التعليمية في كل من الشمال والجنوب ، وتعليم اللغة العربية بمدارس الجنوب ، وتطوير طرق المواصلات بينهما ، وتشجيع التوسع في حركة التنقلات بين الموظفين العموميين في جميع أنحاء القطر، وتوحيد شروط الخدمة العمومية، الأمر الذي يساعد إلى حد كبير على توحيد أبناء الجنوب والشمال(10).
وعندما نشرت وثائق المؤتمر - أرسل (14) إدارياً بريطانياً عريضة للسكرتير الاداري عبروا فيها عن عدم إقتناعهم بهذه التوصيات ، وطالبوا بعقد مؤتمر إداري للجنوب ، بإعتبارأن قضية الجنوب عالجها رجال غيرمؤهلين .. وفي الوقت غير المناسب وإقترحوا تكوين مجلس استشاري لحماية مصالح الجنوب ، وتوفير الضمانات لعدم تنفيذ أي قانون يصدرعن الجمعية التشريعية في الشمال إلا بعد موافقة الحاكم العام التي يستأنس قبلها برأي المجلس الاستشاري الخاص بالجنوب . وكان من رأيهم أن الحكم الذاتي أو الفدرالي هو السياسة الوحيدة الصحيحة التي تضمن تحقيق مصالح الجنوب .
مؤتمرجوبا الاداري لمديريات الجنوب1947 والاتجاه نحو الوحدة:
وافق السكرتيرالاداري على عقد المؤتمر المقترح تحت رئاسته شخصياً حضره مديري المديريات الجنوبية الثلاث ، ومدير شؤون الخدمة و(17) زعيماً ومتعلماً من الجنوب وستة من أبناء الشمال وخرج المؤتمر الذي إنعقد في 12-13/6/1947 بالنتائج التالية (11) :-
1- إعتراف جميع الأعضاء باستثناء زعماء الاستوائية بأن الوحدة السياسية بين الشمال والجنوب ضرورة لا بد منها ، وأيدوا الفكرةالقائلة بأن الفصل بينهما أمر غير وارد .
2- الاعتراف بأن الجنوب لا يستطيع أن يستقل بشؤونه ، كما أنه لايرغب في الاتحاد مع يوغندا .
3- إن محاولة فصل الجنوب عن الشمال ، لو تم تحقيقها ، ستلحق ضرراً جسيماً بكل من الشمال والجنوب ، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية .
4- كرر الجنوبيون الاشارة لواقع تخلفهم إقتصادياً وحضارياً.
5- هناك مخاوف كثيرة لدى الأعضاء الجنوبيين ، من نوايا الشمال ، وعزموا على مقاومة أية سيطرة من جانبهم .
والواقع أن الارساليات المسيحية في الجنوب لم تكن موافقة إطلاقاً على نتائج هذا المؤتمر .. وفي هذا الصدد ذكر (ج. سبنسر ترنجهام) سكرتير مجلس الارساليات بجنوب السودان ، قائلاً (( إننا نعلم أن الشعار الذي يطلقه مثقفوا الشمال بوحدة السودان ، لا يقوم على أساس البتة في واقع الأمر ، ولولا الصدفة التي جاءت بالحكم الغربي ، لما أمكن توحيد الحكم بين أقوام متناثرة )) (12) .
ولكن لم يقل هذا الاستعماري الماكر والمتلفح بثوب المسيح ، ما فعلته بعثاته في الجنوب وما زرعته من ألغام .. وبرغم ذلك كانت إرادة أبناء الشعب السوداني في الجنوب والشمال تتجه نحو الوحدة والتآخي .. وهي الحقيقة التاريخية الخالدة حتى لوعبرت عن نفسها في لحظة واحدة وغابت بقمع الأجنبي .
مشكلة الجنوب في مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي 1956 :
طوال الفترة من 1953-1958 إنعكست عوامل التأثير على تقرير المصير والاستقلال بصورة سلبية على جنوب السودان . وقد إنبثقت العوامل الرئيسية التي اسهمت في رسم الأحداث فيه من تخلفه الشديد وإحساسه بالعزلة السياسية .
فمع إنعدام التنظيمات السياسية التي يمكن أن تعبر وتدافع عن آمال وتطلعاته . كان من السهل أن تفوت آراء الجنوبيين على الصفوة السياسية في الشمال أو يتم تجاهلها عن عمد . إذ لم تسفر إنتخابات 1953 عن أي أسس يمكن أن تنهض عليها حركة سياسية تمثل الجنوب ، فغالبية الساسة الجنوبيون الذين نجحوا في الانتخابات وصفوا أنفسهم بأنهم ينتمون للحزب الجنوبي ولكن لم يكن لهذا الحزب تنظيماً ولا برنامجاً ولاقيادة مقبولة ، كما أن طبيعة الولاءات السياسية المطاطة والهلامية للنواب الجنوبيين أدت إلى تقلبهم بين الأحزاب الشمالية والحزب الليبرالي الذي أسسه النواب الجنوبيون لم يكن أكثر من رقم برلماني وكان باستمرار عرضه للانقسامات والصراعات حول السياسة والقيادة . لذلك كانت مصالح الجنوب ، السياسية ، قبل وبعد الاستقلال تحتل المرتبة الثانية ، من إهتمامات الساسة الشماليين . إذ لم يشارك جنوبي واحد في المباحثات السودانية - الأنجلومصرية قبيل إتفاقية 1953 ( إتفاقية الحكم الذاتي الأنجلومصرية ) . وظل الجنوبيون على الهامش خلال الحوارات حول ترتيبات الاستقلال خلال عام 1955 إلا حينما يتطلب الأمر الحصول على أصواتهم في البرلمان .
وفي أغسطس 1955 تمردت الفرقة الاستوائية في قوة دفاع السودان وفي الاضطرابات التي أعقبت ذلك قُتل نحو (261) شمالياً و (75) جنوبياً .
وطوال الفترة من يوم الاستقلال وحتى إنقلاب عبود في 17/11/1985 إتسمت سياسات الحكومة في الشمال بالقصور في وضع الحلول التي تستجيب لمطالب الجنوبيين .، فبينما كان الطرفان يتفقان في النظرة الى جذور المشكلة من أنها ناجمة عن التباين الثقافي واللغوي والديني بين الشمال والجنوب والذي ساهم الحكم الثنائي في خلقه وتعميقه إلا أن الحلول لهذه المشكلة قد تباينت بين الطرفين . فبينما كان الشماليون من الحكام يسعون لازالة آثار سياسيات الحكم البريطاني بالغاء القيادة الجنوبية لقوة دفاع السودان وبانتهاج التعريب في السياسية التعليمية في الجنوب وإخضاع مدارس التبشير المسيحي لسيطرة الحكومة وتشجيع الاتصال بين الشماليين والجنوبيين .. متجاهلة عمق الشكوك الجنوبية تجاه هذه السياسة .
ومن جانب آخر كان الساسة الجنوبيون يسعون لتبني إطار دستوري يحمي مصالح الجنوب الخاصة وذلك بطرح شعار الحكم الفدرالي . ولم يؤيد الجنوبيون إعلان الاستقلال إلا حين قرر مجلس النواب في 19/12/1955 أن تعطى الجمعية التأسيسية الاعتبار اللازم لمطالبة النواب الجنوبيين بحكومة فدرالية لمديريات الجنوب الثلاث . إلا أن اللجنة الدستورية المنبثقة عن الجمعية والتي ضمت (43) عضواً بينهم (3) جنوبيين فقط ، رفضت الحكم الفدرالي ، مما أصاب الساسة الجنوبيين بخيبة الأمل (13) .
وبعد إنقلاب عبود 1958 تصاعد التوتر في الجنوب مما أدى إلى إندلاع العمل المسلح في 1963 وكان رد فعل النظام العسكري على مطالب الجنوبيين ، هو العمل على إزالة خصوصية الجنوب الثقافية ( بفرض التعريب ) وعندما واجه الجنوبيون هذه السياسة بالرفض لجأت الحكومة الى استعمال القوة العسكرية ، مما أدى إلى هروب أعداد كبيرة من المواطنين الجنوبيين الى الغابة أو المنفى وأسسوا في 20/2/1962 تنظيم الاتحاد الوطني للمراكز المقفولة في السودان الأفريقي (SACDNU) وتغير إسم التنظيم في أبريل 1963 إلى الاتحاد الوطني السوداني الأفريقي (SANU) وكان هدف التنظيم هو الاستقلال عن السودان .
وكان من بين الذين لجأوا للغابة وأصبح لهم تأثير خطير . ضباط صف في الجيش ورجال سجون ورجال شرطة قد إنضموا إلى الفرقة الاستوائية التي تمردت في عام 1955 وشكلوا عصابات مسلحة تحت إسم ( أنانيا) ، وفي الخرطوم تكونت جبهة سرية باسم ( جبهة الجنوب ) ظهرت علناً بعد ثورة أكتوبر 1964 . بينما استمرت حكومة عبود في سياستها الخاطئة المتمثلة في التعريب والتبشير الاسلامي ، حيث انشئت مدارس القرآن في أنحاء متفرقة من الجنوب وأقيمت معاهد إسلامية متوسطة في ست مدن في الجنوب وأنشئ معهد اسلامي ثانوي في جوبا .. وفي عام 1960 تقرر أن يكون يوم العطلة الرسمي في الجنوب يوم الجمعة بدلاً من يوم الأحد ، وأصبحت اللغة العربية هي لغة التعليم في المدارس المتوسطة . وفي عام 1962 أصدرت وزارة الداخلية قانوناً للجمعيات التبشيرية حدد نشاطها في الجانب الديني فقط . وفي فبراير 1964 طرد القساوسة المسيحيون من السودان وكان عددهم 335 قساً .
وخلال عامي 61 ، 1962 جرت مظاهرات في مدارس الجنوب تم قمعها بشدة من قبل الجيش وفي النصف الثاني من عام 1963 صعدت ( الأنانيا) من عملها المسلح .. وفي مطلع 1964 إندلعت الحرب الأهلية في السودان (14) .
ومع إندلاع ثورة أكتوبر 1964 سقط الحكم العسكري الأول .. وفي أبريل 1965 جرت انتخابات عامة في الشمال فقط نسبة لاضطراب الأحوال الأمنية في الجنوب ، وخلال العهد الديمقراطي الثاني ظلت مشكلة الجنوب دون حل حتى إنقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري . وذلك أن المحاولة الوحيدة بعد ثورة أكتوبر 1964 كانت متمثلة في مؤتمر المائدة المستديرة 1965 إلا أنه لم يتوصل الى حل .
ونجح نميري في إجراء مفاوضات توصل بموجبها الى اتفاقية أديس أبابا في مارس 1972 ، وكانت قد جرت محاولات في أواخر الستينات لتوحيد المقاومة الجنوبية إنتهت بالفشل. وفي منتصف عام 1967 توحدت قيادات أنانيا في تنظيم موحد بقيادة غوردون مورتان وباري ، وإتفق مندوبون من هؤلاء الجماعات على تشكيل ( حكومة جنوب السودان المؤقتة ) برئاسة أجري جادين على أن يكون أميليو قائداً عاماً لقوات الأنانيا .. غير أن الخلافات القبلية والدينية سرعان ما أدت الى إنهيار الحكومة المؤقتة . وفي مؤتمر ( بالقو بندي ) في مارس 1969 جرت محاولة أخرى للتوصل إلى قيادة موحدة وتم تشكيل (حكومة النيل الانتقالية ) برئاسة غوردون مورتان وماركورومي نائباً له وأميلو تيفانق قائداً عاماً للأنانيا مرة أخرى . إلا أن هذه الحكومة لم تحظى بتأييد القادة الجنوبيين .
وفي النصف الثاني من عام 1969 إلتف الجنوبيون حول شخصية جوزيف لاقو الذي أعلن عن تأسيس ( منظمة الأنانيا الوطنية ) تحت قيادته .
مشكلة الجنوب في العهد المايوي1969-1985 ومحاولات حلها:
بعد إنقلاب مايو 1969 الذي طرح في بداياته شعارات قومية تقدمية مقترباً من النظام الناصري . بدأ الكيان الصهيوني منذ سبتمبر 1969 بمد منظمة الأنانيا الوطنية بالأسلحة بمعدل دفعتين شهرياً يتم إلقاؤها من الجو .. وذلك بغرض تأجيج نيران الحرب الأهلية وإشغال النظام في الشمال عن الاهتمام بالقضايا القومية .
لقد ساهم الدعم الصهيوني لجوزيف لاقو في تقوية مركزه وتوحيد الأجنحة المتصارعة حوله مما وفر له قوة تفاوضية مع نظام نميري بعد أن انهارت حكومة النيل المؤقتة ، وإندمجت عناصرها في أنانيا تحت قيادة (لاقو) . وفي يناير 1971 أعلن لاقو عن تأيسي (حركة تحرير جنوب السودان ) .
خطوات الحل المايوي لجنوب السودان (إتفاقية أديس أبابا1972):
في يناير 1971 وجه نظام نميري دعوة لمجلس كنائس عموم أفريقيا لارسال وفد للسودان للاطلاع على مساعي الحكومة لحل مشكلة الجنوب سلمياً . وقبل مغادرته الى الخرطوم إجتمع وفد الكنائس في يوغندا بما يسمى ( بلجنة كمبالا ) ، وهي مجموعة من الجنوبيين وغيرالسودانيين المتعاطفة مع حركة تحرير جنوب السودان المقيمين في يوغندا ، وناقشت مسألة الحل السلمي ، وعندما وصل الوفد الى الخرطوم في مايو 1971 ، كان مصمماً على بحث التسوية وإحتمالاتها أكثر من الاضطلاع على أوضاع الجنوب . وفي مناقشته مع وفد الحكومة تم الاتفاق على إطار لمباحثات بين حكومة السودان وحركة تحرير جنوب السودان يتضمن الآتي (15) :
1- تؤيد الحكومة اجراء اتصالات بين وفد مجلس الكنائس وحركة تحرير جنوب السودان بغرض التمهيد لمباحثات تستهدف التسوية السلمية .
2- يشتمل التمثيل الجماعات ذات النفوذ في الجنوب في أوساط اللاجئين .
3- تجرى المباحثات في أي مكان.
4- توافق الحكومة على فترة (تبريد) إذا لم يكن هناك ما يهدد الأمن
5- تجرى مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي الاقليمي في اطار السودان الواحد .
6- يتم الاجابة على من يرعى المباحثات في مناقشة لاحقة .
فكان لبعض الضغوط الجانبية الأثر الفعال . فقد وقعت الحكومتان السودانية واليوغندية على إتفاق بابعاد العناصر المعادية لكل منهما من البلدين ونجحت الحكومة الليبية في إقناع الرئيس اليوغندي عبدي أمين في مارس 1972 بطرد المستشارين العسكريين الاسرائيليين من بلاده وقطع العلاقات مع اسرائيل . وهكذا أصبحت يوغندا مكاناً غير آمن لجوزيف لاقو من حيث الادارة وتلقي المساعدات الاسرائيلية . وفي 18 مارس 1972 وقع لاقو على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فبراير 1972 ، وتوقفت الحرب الأهلية . وتم تطبيق الحكم الذاتي الاقليمي لجنوب السودان(16) .
وكان لفشل سياسات نميري الاقتصادية أثرها على جنوب السودان ، حيث تمزقت الحكومة الاقليمية بسبب توقف التنمية وتفاقم الأزمة المعيشية ، وإندلعت الانقسامات القبلية والشخصية بسبب الاختلاف حول قرار تقسيم الاقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم الذي أصدرته الحكومة المركزية بحجة تقليل سيطرة قبيلة الدينكا على السياسة في الجنوب . وفي يناير 1983 إندلعت الحرب الأهلية من جديد عندما هاجم منشقون مدينة أويل في مديرية بحر الغزال ومقتل 12 تاجراً شمالياً ، وفي فبراير من نفس العام تمردت الكتيبة (105) في بور والتي تتكون من جنود جنوبيين وهرب نحو ألف ضابط وجندي إلى الغابة حاملين أسلحتهم معهم . وخلال ذلك الصيف تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان في أغسطس 1983 بقيادة جون قرنق . وقد أدت هجمات رجال حرب العصابات على موظفي الشركة الفرنسية في ديسمبر 1983 إلى وقف العمل في مشروع قناة جونقلي .. وإلى وقف أعمال شركة شيفرون للتنقيب على النفط .
وشرع نظام نميري في تغيير إتجاهاته السياسية باعلان قوانين سبتمبر 1983 (الشريعة) ومحاولاته تعديل دستور البلاد مما أدى الى تفاقم الأزمة في الجنوب .. بينما كان النظام نفسه يلفظ أنفاسه الأخيرة حيث اندلعت إنتفاضة مارس أبريل 1985 مما أدى الى سقوط نظام نميري، وعودة الحكم الديمقراطي الليبرالي مرة أخرى .
خلاصـــــــة :
يتجلى من استعراض السياسة البريطانية في جنوب السودان طوال فترة إستعمارها للسودان .. الدور الكبير الذي قامت به في خلق هذه المشكلة وتجسيمها كقضية صراع بين الشمال والجنوب ، تقوم على الأساس الديني والأساس العنصري ومحاولات أن يأخذ الصراع وجهة مفتعلة وكاذبة باعتباره صراع بين العرب والأفارقة من جهة وبين المسيحية والاسلام من جهة أخرى متجاهلة حقيقة أن العروبة في السودان لاتقوم على الأساس العرقي والعنصري ، وإنما هي ثقافة وإن الدين الاسلامي كدين سماوي لا يقوم على العداء للمسيحية ، وإنما يعتبر نفسه امتداداً لها ويقدسها كعقيدة سماوية .. وهو كغيره من الأديان يدعو للمحبة والسلام والعدل والمساواة والأخوة .. وإن الثقافة العربية الاسلامية هي الثقافة الأم لأفريقيا منذ القرن العاشر الميلادي ، وإن ثلاثة أرباع العرب هم أفارقة ، وإن الأفريقية ليست عرقاً أو قومية ، وإنما هي قارة تعيش في داخلها عدة شعوب وقوميات وجماعات وقبائل .. وإن الثقافة العربية الاسلامية لم تفرض نفسها بالقوة على القارة مثلما حاولت بريطانيا وبقية الدول الاستعمارية فرض ثقافتها وحتى تصوراتها المنحرفة للدين ، وذلك باستغلال الدين المسيحي السمح لأغراض سياسية إستعمارية لا علاقة لها بجوهر هذا الدين الداعي للمحبة والسلام . كما أن أكذوبة إتهام الشماليين في السودان بممارسة الرق يضحدها الواقع والتاريخ ، فالشعب السوداني في الشمال لايمكن تحميله وزر هذه الجريمة وهو كان يخضع لاستعمار أجنبي خلال العهد التركي .. وبعد ثورته العظيمة بقيادة المهدي ضد الاستعمار التركي حرم هذه التجارة تماماً .
والحقائق التاريخية تقول أن بريطانيا والدول الغربية هي التي مارست هذه التجارة على أوسع نطاق .. وأكبر دليل على جريمتهم هو الاجابة على السؤال : من الذي جلب الزنوج العائشون في أميركا اليوم الى هناك !؟ .
وفي السودان ومنذ العهد التركي كان الوكلاء الحقيقيون لهذه التجارة هم الغربيون والبريطانيون بالذات من خلال سيطرتهم على الدولة العثمانية في آواخر أيامها .. وعلى أسرة محمد علي الحاكمة في مصر بالذات .. بدليل أن أغلب الاداريين الذين استعانت بهم الخديوية في مصر على حكم السودان كانوا من الغربيين وأبرزهم (غوردون باشا) .
والواقع إن الشعب العربي الشقيق في مصر لم يكن مالكاً لزمام أمره لأنه مستعمر وكذلك الشعب السوداني في الشمال .. فكيف يتم إتهامهم بتجارة الرقيق والسلطة الحقيقية كانت في يد مستعمريهم .. أما أن يستعين بعض الاداريين البريطانيين والأتراك ببعض الأشخاص من المصريين التجار الصغار أو من مواطنين من شمال السودان كوكلاء لهم في هذه التجارة فهذا لا يعني أنهم المسؤولون عن هذه الجريمة .. بدليل أن أنشط الوكلاء في هذه التجارة كانوا من أبرز بعض القبائل الجنوبية ذاتها ..
إن مجمل الدعاية البريطانية في جنوب السودان والهادفة الى خلق حواجز نفسية وعقد تاريخية كاذبة .. ورغم نجاحها النسبي إلا أنها لا تصمد أمام المحاكمة والتمحيص الدقيق .
وللأسف نتيجة هذه المغالطات والأكاذيب والفتن التي زرعتها بريطانيا في السودان وجدت الأجيال السودانية المتعاقبة في الشمال والجنوب نفسها تتصارع وتتحارب دون مبررات عقلانية . وقد ساهم في ذلك عجز الطبقات الرجعية التي تعاقبت على حكم السودان منذ الاستقلال عن استيعاب مرامي الاستعمار وابتلعت الطعم الذي وضع في الفخ البريطاني ، وفشلت في وضع الحلول الصحيحة التي تستوعب جذور المشكلة . وتتعامل مع الواقع التاريخي والجغرافي والثقافي برؤية حضارية مسؤولة تعالج الأسباب ولا تقف عند النتائج
مواقف البعث الفكرية والسياسية من المشكلة
مقدمــــــــة :
تتناول هذه الدراسة متابعة مواقف حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان الفكرية والسياسية من مشكلة جنوب السودان في الفترة الممتدة من تاريخ تأسيس أول خلية للحزب داخل تنظيمات الاشتراكيين العرب عام 1960 حتى العام 1999 حيث ازدادت المشكلة تعقيداً بوقوع إنقلاب 30/6/1989 بقيادة الجبهة الاسلامية .
تكمن صعوبة البحث في أن الكتابة في احدى القضايا الوطنية الهامة التي ارتبطت بنضال الحزب في السودان يكاد يعبر عن تاريخ الحزب ذاته ، لا سيما وأن مشكلة الجنوب في السودان قد شكلت هاجساً كبيراً - فكرياً وسياسياً للطلائع البعثية الأولى في السودان ، حيث أن أبرز نضالاتهم السياسية ضد دكتاتورية عبود كانت بسبب مشكلة الجنوب ، كما شغلت القضية حيزاً كبيراً في النتاجات الفكرية للحزب في السودان منذ بدايات نشأته .. ففي تحليل 1962 للواقع السياسي والاجتماعي في السودان عبر البعثيون عن رؤيتهم المستقبلية لاتجاهات الصراع في البلاد ، كما احتلت مشكلة الجنوب حيزاً وافراً من الدراسة والتحليل في وثيقة البعث وقضايا النضال الوطني في السودان ، وساهم الحزب كذلك باعداد دراسة فكرية وسياسية وافية باسم الرفيق أمين سر القيادة القطرية هي وثيقة (البعث ومسألة الجنوب في السودان) .. لقد إقترن هذا الجهد الفكري بمواقف وممارسات نضالية جريئة ، وتضحيات لا يستهان بها .
حاولت هذه الدراسة أن تتابع كل ذلك بهدف تمليك المناضلين البعثيين والوطنيين من أبناء شعبنا صورة من نضال حزبنا في السودان من أجل هذه القضية التي ظلت تؤرق كل الوطنيين والقوميين التقدميين الساعين في اتجاه تحقيق الحل السلمي الديمقراطي ، وتحقيق وحدةالسودان في اتجاه الاستقرار والتنمية والتقدم .
الموقف الفكري للبعث
من قضايا الأقليات في الوطن العربي
كان المشروع القومي الحضاري الذي طرحه البعث منذ تأسيسه في عقدالأربعينيات ينطلق من نظرة جديدة للقومية .. تقوم هذه النظرة على إعتبارالشعور القومي بأنه شعورانساني خلاق ، وهو حقيقة اجتماعية تعبر عن الهوية الجماعية لأي شعب .. إلا أن البعث ميِّز بين القومية والنظرية القومية . رافضاً وبشكل قاطع وحاسم النظريات القومية الغربية التي تقوم على الأساس العرقي والعنصري كالنظرية النازية والفاشية وقانون التفوق العنصري ، ورسالة الرجل الأبيض .. الخ . تلك النظريات التي أشعلت الحرب العالمية الثانية عام 1945 ، وقامت على أساسها فكرة الاستعمار الغربي للقارات الثلاث ( أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية) .
يقول مؤسس البعث المرحوم ميشيل عفلق في عام 1955 (( إن مفهومنا للقومية بعيد جداً عن مفهوم القومية النازية ، التي تؤمن بأن هناك عرقاً مفضلاً ، وله مميزات خاصة ، يجب أن يتطهر من كل شئ ، وبالتالي يضهد كل من لا تتوفر له الشروط من حيث النسب ، والعادات المعينة ، فالعروبة هي انسانية ، ونحن نفهم من قوميتنا العربية بأنها الانسانية الصحيحة ، وبأنها تقديس لقوميات الآخرين ، فنقدس هذا الشعورعند كل شعب آخر )) (17) .
لهذا يؤكد المؤسس (( بأن الاستعداد الدائم عندنا لاستيعاب الخصوصيات ، ولفهم وضع كل أقلية ، وإحترام شخصيتها ، هو من قيمنا الأساسية ، ومن القيم الداخلة في قوميتنا ، وفي تراثنا ، وبما تقتضيه المصلحة المشتركة )) (18) .
ووفق هذا المنظور الجديد للقومية العربية ومشروعها الحضاري التحرري يؤكد مؤسس البعث القول (( بأن الأمة العربية أقدر من أية أمة على حل مشكلة الأقليات منطلقين من هذه الروح ، ومن تراثنا ، من مراعاة واقعنا ومصلحتنا القومية لأن مصلحتنا هي في التآخي القومي ، وليس في ابقاء عوامل وأسباب التناحر الداخلي وليس في ترك ثغرات يستغلها الأعداء في داخل بنياننا القومي))(19).
إن النظرة المبدئية الأخلاقية للبعث النابعة من التراث الروحي للأمة العربية ، في النظرة للانسان باعتباره قيمة عليا ومن قيم العدل والحرية والمساواة بين الناس بصرف النظر عن ألوانهم أو أعراقهم أو معتقداتهم ، وان الانسان لا يتميز عن أخيه الانسان إلا بالعمل الصالح ، وإحقاق الحق والخير .. لذلك قام مشروع البعث أساساً بهدف تجديد هذه القيم وإحيائها في عصرنا الراهن .. وهذه ما يسميه البعث بال
المزيد