من هم الأحوازيون ؟

مارس 31st, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

من هم الأحوازيون ؟

 

 

ليس بالهين ولا بالقليل ما يعانيه شعب بأسره شاء له القدر أن يكون ابن تلك الأرض الواقعة شمال الخليج العربي ومحاذية للعراق في الآن نفسه،والمعروفة باسم (الأحواز)عربيا،وبـ(خوزستان) فارسيا بعد اِمتداد يد التغيير عليها في العام 1936م،والتي ربما عُبِّر عنها أيضا باسم (عربستان) أي أرض العرب،لانتساب معظم قاطنيها البالغ عددهم أكثر من خمسة ملايين نسمة إلى قبائل عربية عريقة كبني تميم وبني أسد وبني لام وبني كعب وطيء والزرقان وآل خميس وآل كثير وغيرها.

ونحس هذا الطالع القدري لا يكمن في تلك الأرض,فهي أرض معطاءة ثرية بالنفط والجمال, ولا هو أيضا مقترن بانتماء أهلها إلى أولئك العرب الخلـّص الذين سجلت لهم البطولة وقائع شتى كانوا فيها حماة المنطقة ومحصنيها ضد قوى الاستعمار الأجنبي، لكنه كامن في وقوع تلك الأرض العربية بقبضة دولة إيران الفارسية المعادية للعروبة والعرب,ومقترن بذلك التمييز العنصري الذي تشّنه تلك الدولة الظلامية ضد مواطني ذلك الإقليم العربي من منطلق شعوبي شوفيني يزداد بمرور الأيام ضراوة وبُعدا عن كل ما هو إنساني ومتحضر نصّت عليه الوثائق الدولية وشرائع حقوق الإنسان فضلاً عن التعاليم السماوية التي حضّت على مبدأ تعارف الشعوب والقبائل؛وهذا هو السر الوحيد والمسؤول الأول عن ولادة وتنامي واستمرار معاناة أحبائنا وأهلينا في الأحواز  .

وبشيء من التجّوز,ربما صح لنا الاِستخلاص التالي : إنّ هذه المعاناة تنامت تاريخيا  للدرجة التي يمكن وصفها بسياسة إرهاب منظم تمارسها الدولة وذلك منذ العشرين من نيسان عام 1925 حين اِنقّضّت قوات الاحتلال الفارسي بأمر من الهالك رضا خان بهلوي على هذا الجزء الغالي من الوطن العربي عقب انهيار الاِستقلال الذاتي لبعض مناطقه في أعقاب الحرب العالمية الأولى وهزيمة الإمبراطورية العثمانية, بمساندة من الغرب الاستعماري البريطاني الطامح إلى جعل إيران صمام أمان له من خلال بناء جدار فكري وسياسي يوقف المد الشيوعي المتفجر باندلاع الثورة البلشفية عام 1917-م .

ولئن كان التمييز العنصري الذي تمارسه الدولة العبرية ضد العرب الفلسطينيين ليس إلا صورة من صور الصراع من أجل البقاء,فإن مثيله الذي يشنه النظام الفارسي ضد العرب هو أيضاً صورة من صور الصراع من أجل الاستعلاء والاِستحواذ والتوسع,ضاربة بكل القيم الإنسانية والأخلاقيات الدينية عرض الحائط في سبيل إحياء الهوية الصفوية الساسانية والمتجلية بوضوح في الفكر الطائفي المتطرف الذي كانت وما برحت تتبناه وتروج له مختلف الأجهزة الإيرانية في مختلف بقاع المنطقة,وهو فكر مغاير -بطبيعة الحال- لروح الإسلام وبالتالي للتشيع العلوي الذي هو مدرسة فقهية ضمن المدارس الفكرية الإسلامية المتعددة ، هذا التشيع العلوي المعتدل والمغيب بلهَ المطموس بقوة الآلة الإعلامية الموجهة وتأثير ما يسمى بالمرجعيات الدينية المذهبية  المزورة والتي يعمل رجالها ليل نهار بقصد أو بغير قصد في خدمة هذا المشروع العنصري الإقصائي القائم على الكراهية والاِنتقام كمحور جوهري تتم تحت سمعه وبصره وبمشورة منه قولبة المفاهيم الإسلامية وصياغة الأفكار على مقاس معين بغية التعامل مع الأحداث وتقويم الآخرين والتعاطي معهم بشكل يناسب الطموحات الفارسية التوسعية,ولا أدل على ذلك من التدخل الإيراني السافر في الشأن العراقي ومحاولة شطب هويته العربية باستخدام المرجعية النجفية المذهبية مباشرة أو بشكلٍ غير مباشر كأداة تأثير على الجهلاء والبسطاء والرعاع والمرتزقة داخل القطر العراقي وخارجه،ومن خلال أموال الدعم الكثيف للمنظمات والتنظيمات المسلحة التي تدورفي فلك رؤيتها السياسية وعبر توجيه اختياراتهم العملية وبرمجة عقولهم بما يخدم الدولة الفارسية, حيث تحول التشيع من نزعة دينية يفترض أن تكون سامية,واجتهادات مذهبية يفترض أن تكون نزيهة,إلى قانون حل للمعادلات بما يشبع رغبات عدوانية لساسة طفحت قلوبهم صلفا وتعصبا وأطماعا امبريالية مريضة,فأين هذا كله من الفلسفة العلوية / الحسينية الراقية والداعية إلى العدل ومقاومة الظلم والعمل على كل ما من شأنه تحقيق مصلحة المسلمين وإرساء دعائم إسلامهم باليد واللسان والقلب :ما شاء رسول محمد [ص] أي بالإرادة لا بالشعارات الكلامية البرّاقة التي سرعان ما تذهب مع الريح تاركة خلفها حقيقةَ أن إيران تقول للناس ما يبهج مشاعرهم ويجيشها في صفها بينما تمد اليد لعقد الصفقات القذرة في الخفاء بعيدا عن السذج والمنخدعين بثورتها المؤدلجة العنصرية البغيضة.

ونحن حين نصف هذه الثورة بالبغيضة لانعتدي على الوصف الدقيق للواقع الملموس،كوننا أخذنا من تطورات الأحداث الواقع شاهدا جليا,فقد وقف الأحوازيون إلى جوارها ـ فيمن وقف معها ـ على أمل أن تخلصهم من نير الحكم الاستبدادي المتعالي للشاهشنشاه المقبور،فإذا بها - وبمجرد الوصول إلى سدة الحكم- راحت في كل ممارساتها تقلب لهم ظهر المجن وتجرعهم من ذات الكأس الشاهنشاهية إلى الدرجة التي يعامل فيها شيعة الأحواز العرب -فضلا عن السنة- معاملة يهود الفلاشا في دولة الكيان الصهيوني, حيث يعامل الأحوازيون كما لو كانوا مواطنين في الدركات السفلى بقمعية لا يمكن إلا أن تصدر عن محتل لا عن دولة متحضرة تجاه مواطنيها أيا كان انتماؤهم الديني والفكري والسياسي والعرقي.

وكيف لا يكون توصيف ما يعانيه الأحوازيون احتلالا والأمر يتجاوز حرمانهم ليس من تعليم أولادهم بالعربية وتلقينهم ثقافتهم القومية فحسب,بل إلى ما هو أبعد من ذلك,إلى حرمانهم من تسمية حتى أولئك الأولاد بأسماء عربية في محاولة تستهدف إضعاف ارتباطهم بالجذور الحضارية والقومية لأمتهم العربية ,ويأتي لدعم هذه الخطة المنافية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان خطوات أخرى لا تقل خبثا وظلامية,ومن ذلك فرسنة الأرض بتحويل أسماء مدنها وقراها ومعالمها العربية إلى مسميات فارسية بغية طمس معالمها,هذا مع مواصلة تغيير التركيبة السكانية للإقليم العربي بمزيد من عمليات تهجير العرب وتوطين الفرس مع ما يتبع ذلك من مصادرة للأراضي دون وجه حق.

ولا يقف الإجرام الفارسي الشعوبي عند مصادرة الحقوق الثقافية والممتلكات الشخصية ولكنه يتعداه إلى مصادرة الحرية والحياة نفسها بسلاسل من الاعتقالات القمعية المتواصلة والقتل المتعمد قبل ومع وبعد كل تحرك أحوازي يجري نتيجة الضغط الرهيب والتفرقة في المعاملة ، وذلك ليس ابتداء بالدوائر والمؤسسات ولا انتهاء بالمراكز والمستشفيات وإنما أيضاً في كل مرافق الحياة المتنوعة ,إذ يُقدم الفارسي على العربي في التعامل اليومي لمجرد فارسيته وليس لأي اِعتبار آخر يقع خارج دائرة الرؤية العنصرية والنظرة الدونية المدعومة من قبل الدولة والشائعةِ على ألسنة رموزها وفي تراثها الفكري وأجواء حوزاتها المتعفنة.

من هنا ومنذ حلول نكبة نيسان في منتصف عشرينات القرن الماضي اختار الشعب الأحوازي المقاومة الوطنية السلمية المطلبية والعنيفة التحررية  فقام بعدة ثورات,فَقَدَ على إثرها الكثير من رموزه وأبنائه,وما يزال عشرات الآلاف من أحراره وحرائره قيد الاعتقال,وما زالت جراحاته تنزف تضج دما,وما يزال الاحتلال الفارسي يواصل التفريس والافتراس.

فهل لهذا الشعب العربي الأبي المقاوم أن يطمع في وقفة مشرفة إلى جواره خلال محنته العصيبة ،إذا لم يكن ذلك الموقف المشرف نابعاً من القيم القومية والإسلامية -وكفى بهما دافعا- فليكن باسم الإنسانية والدفاع عن القيم العليا ونشرا للعدالة وإحلالا للسلام ؟!,أم أنَّ على الأحوازيين أن ينتظروا حتى مجيء يوم تتعارض المصالح الأمريكية فيه مع المصالح الإيرانية إلى الحد الذي يسمح بتفجير هذه القضية وفتح ملفاتها كونها ستصبح ورقة ضغط ومساومة رابحة, وعندها فقط نتحرك حسب الرغبة الأمريكية كعود في حزمة المجتمع الدولي بعد أن تشحننا وسائل الإعلام بأرشيفات ومراثي ما نحن اليوم عنه غافلون.

ومتى علينا أنْ ندرك أنه ليس من الضروري أن تتبنى الإدارة الأمريكية وأعوانها القضية الأحوازية لتكون قضية عادلة؟ ! .

الخارطة الجغرافية لإقليم الأحواز المحتل

أن كل شعب يطالب بحق تقرير مصيره ورفع الظلم والعدوان عن أرضه ومجتمعه يُلْزِمُ كل حر صاحب ضمير حي بتبني قضيته كما لو كانت قضية شخصية تمسه بالدرجة الأولى, هذا إذا كان للحرية مناصر وللكرامة معنى وللحق من يعلنه ويسعى إلى إقامته,فالقيم والمبادئ مطلقة لها الأولوية في الممارسة اليومية وثابتة في الأعراف السياسية الحرّة ، وبالتالي لا يصح ربطها بالمصالح الشخصية ولا بالسياق الزمني وإلا تحول القتل والقمع والاستبداد والإرهاب الفكري والسياسي والاجتماعي إلى وسائل مشروعة ومواقف لها مبرراتها ومباركوها أيضاً ، وما على الناس إلا التعايش معها والقبول بها كوضع طبيعي, وحين يحدث ذلك فقل على الدنيا ومن فيها السلام.

سياسة التفريس والإفتراس من خلال المعلومات عن وطننا :

* ـ الموقع الجغرافي والحدود:تقع المنطقة العربية:الأحواز التي أصبحت جزءاً من الدولة الإيرانية في عام 1925 في المنطقة الغربية الجنوبية من إيران وعلى الخط العرض 30 ـ 33 درجة شمالاً،وطول 48 ـ 51 درجة شرقاً. وتحدها من الشمال جبال كردستان،ومن الشرق جبال زاكروس  ومن الغرب جمهورية العراق،ومن الجنوب الخليج العربي .

 

* ـ عدد نفوس الشعب العربي :لا توجد إحصاءات دقيقة عن المكونات العددية للسكان العرب بصورة رسمية،وتتباين الأرقام بين أعلاها وأدناها وفقاً لبعض المصادر والطبيعة التكوينية القومية أو الفكرية للقائلين بها،ويبلغ عدد السكان طبقاً لإحصاء قدمه أحد النواب في برلمان ما يسمى بالبرلمان الإيراني في عام 1999 بأكثر من أربعة ملايين نسمة،في حين تقول بعض الإحصائيات غير الرسمية إن العدد يفوق هذا الرقم ليصل إلى أكثر من عشر ملايين عربي.

 

* ـ تتألف المكونات الشـعبية في الدولة الإيرانيـة من الشعوب التالية ووفق النسـب المئوية المرتبة ترتيباً تنازلياً :

1 ـ الأتراك الأذريون : وتبلغ نسبتهم: 33 % ـ 35 % .

2 ـ الأكراد : وتبلغ نسبتهم : 10 %  .

3 ـ العرب : وتبلغ نسبتهم :  7 % .

4 ـ البلوش : وتبلغ نسبتهم : 2,5 % .

5 ـ التركمان : وتبلغ نسبتهم: 2,5 % .

وبذلك يكون المجموع : 53% ـ 55% . أما الآخرون فهم من الفرس التي تبلغ نسبتهم: 45% هذا على المسـتوى القومي.

 

أما على المستوى المذهبي من الناحية الدينية وبشكل أساسي،فإنَّ الغالبية هم من الشيعة المسلمين،أما من السنة المسلمين فتتراوح نسبتهم المئوية بين: 10% ـ 15%.

 

ويتضمن الدستور الإيراني القول بالتعددية القومية في الدولة الإيرانية،وينص ـ مثلما يحث نظرياً ـ على ضرورة المساواة والتكافؤ بين هذه المكونات،ولكنها ـ باِستثناء الفرس ـ تشكو بقية المكونات القومية من التمييز العنصري والإهمال،الأمر الذي يتناقض مع مفاهيم الدين الإسلامي ـ الذي يدعيه النظام الإيراني ـ الذي يقر بمفهوم القبائل والشعوب باِعتبارها مخلوقات متساوية أمام الله .

    ومعلوم إنَّ كل التكوينات الاِجتماعية تتمتع بالأصول اللغوية المشـتركة الراسخة، والجغرافية الموحدة،والعادات والتقاليد الاجتماعية المتمايزة،والتي تضمها بوتقة التكوين التاريخي الموحد، وما يترتب عليه من ثقافة مشتركة مع الذات أو تتقاطع [أي تلتقي] مع الآخر أو تفترق عن الآخـر .

 

وفي أعقاب قيام ثورة شباط عام 1979 التي شارك فيها شعبنا العربي في الأحواز بنشاط ملحوظ ومتقدم،فإنَّ المواد 15،19،48حول المجالس المحلية ما يزال تطبيقها متعثراً فيما يتعلق بالقوميات غير الفارسية،علماً إنَّ نواقص ملموسة تشوبها من الناحية النظرية تؤدي إجبارياً إلى اِنعدام التكافؤ في نيل الحقوق القومية الطبيعية .

 

ولعل الدليل الأبرز على عدم التكافؤ هو الغياب المتعمد عن إجراء أي إحصاء رسمي يتسم بالصدق والدقة بما يتعلق بالتركيب القومي للسكان،ومحاولة السلطة حصر مجموع هذا التركيب بالطابع الديني أو المذهبي لتكوينهم الفكري والاِجتماعي .

    * ـ واِستناداً إلى بعض المعطيات المتوفرة فإنَّ 23 % من الدارسين العرب يتركون دراستهم في المرحلة الاِبتدائية. ويترك 50 % من الطلاب في الدراسة المتوسطة. و60% ـ 70% من المرحلة الثانوية. . . وتشير هذه النسب إلى طبيعة التمييز على المستوى القومي العربي في الدولة الإيرانية،كما يشير إلى الحرمان الذي تعانيه هذه الشريحة الاِجتماعية التي لا يتجاوز عمرها العشرين عاماً،كما يبين ذلك بالملموس إلى رميهم في سوق عرض العمل الذي يجري التعامل معهم على أرضية الأجور الزهيد جداً ، الأمر الذي يؤدي إلى إفقارهم المتزايد في ظل الغلاء الذي تتزايد نسبه بشكل متواتر ، جراء وضعهم الحياتي والاِقتصادي والاِجتماعي المزري .

 

    * ـ خصوصاً وأنَّ 66% من المواطنين العرب يشغلون 6,6% من المقاعد في أكبر جامعة دراسية تضمها مدينتهم الأحواز العاصمة . . .وإنَّ عدد الطلاب فيها 6000 من مجموع الطلاب الإيرانيين الجامعيين البالغ عددهم ثلاثين ألف طالب إيراني وذلك في مدينتهم العربية "الأحواز العاصمة" وهذا يعني إنَّ الخمسة بالمائة من السكان العرب يشغلون مقاعد دراسية 15 نسبة إلى عشرة آلاف من كل الحجم التعليمي في الجامعة  . . . أما في عام 2002 ـ 2003 فبلغ مجموع الطلاب العرب 6000 طالب من أعداد طلاب كل إيران الذين يبلغون الأربعة ملايين طالب . . . أي أن كل عشرة آلاف طالب يقابلهم 15 طالباً عربياً فقط في زمن التدفق الإعلامي والعلمي وتنمية المهارات الفردية .

 

    * ـ ويمنع على العائلات العربية من إطلاق أسماء عربية على أبنائهم وبناتهم بذرائع مختلفة،فأسماء هشام،وعمر وخالد وأبي بكر ورائد،وياسر،وحتى أسماء مثل شيماء،وهو اِسم أخت الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، يمنع تسجيلها وفق التعليمات العليا لموظفي الأحوال الشخصية ، الأمر الذي كانت تمارسه الدولة البلغارية في زمن تيودور جيفكوف:الرئيس السابق ضد المسلمين بحرمانهم من الأسماء ذات الأصول العربية أو الإسلامية،ويشكل كل ذلك قمة من قمم التمييز العنصري وحرمانهم من أبسط حق عند الفرد العربي في إيران .

 

    وهناك حرمان مقصود للعرب من تخصيص برامج إذاعية وتلفزيونية،ومدة البث فيها لا تتجاوز الفترة الزمنية التي تتراوح بين نصف ساعة وساعة واحدة،وتسوق فيها برامج ـ غالباً ـ غير هادفة للتنمية العربية،ويُتجاهل فيها تراثهم وحاضرهم ناهيك عن مستقبلهم على ضوء اِهتماماتهم العربية .

 

* ـ وفيما يتعلق بالجانب التربوي للنشء الجديد فإنَّ هناك نصوصاً أدبية وفكرية تنافي الحقائق التاريخية،مثلما هناك بعض التزوير التاريخي لتفسير الأحداث،تحتويها المناهج المدرسية والدروس المعرفية في الكتب الدراسية التي يقرأها الطلاب في مختلف المراحل الأولْ،وكلها تترافق مع تحقير التاريخ الأحوازي العربي بشكل خاص،والإهانات المتواصلة تلحق بالجانب القومي العربي للمجتمع ، الأمر الذي يؤجَج في ظلها وخلالها مظالم لا حصر لها .

 

    مثلما تتطرق إلى هذا الجانب ـ وبشكل متكرر ـ الأجهزة الإعلامية الرسمية الفارسية ويركز خلالها على الأدباء:الكتّاب والشـعراء الفرس العنصريين المعروفين بعدائهم للقومية العربية كمحمد علي فردوغي ومحمود أفشار وميرزادة عشقي وسعيد نفيسي و آخوندزاده ،ويتعمدون دائماً وفي كل المناسبات المتاحة للاِنتقاص من شأن الأمة العربية والعرب والإساءة للعربستانيين ،اِنطلاقاً من المشاعر القومية الفارسية العدائية التي لا يمكن تفسيرها بغير اِبتعاد السلطة الإيرانية عن القيم الحضارية الإسلامية التي تحض على المساواة ورفع شأن المسلمين على قاعدة الأخوة العامة لهم .

 

    * ـ وفيما يتعلق بالآثار الماضية والمشاهد التاريخية المعنوية التي يحرص الشعب العربي الأحوازي من خلالها على الاِهتمام بها فقد جرى تجاهلها تماماً،وفي بعض الأحيان على إزالتها،كما جرى مع القصر التاريخي للرمز المعنوي عند كل العرب : الشيخ خزعل الكعبي في مدينة الأحواز التي أزيل من الوجود تماماً وتسوية قطعة الأرض التي أنشيء عليها بالبلدوزرات وذلك في أوائل التسعينات الماضية ، وجرى تحويلها إلى كراج خاص بالنقل و المواصلات .

 

      في الوقت الذي تحرص فيه جميع الدول المعاصرة والمتحضرة على تنمية المتوفر من هذه المراكز التاريخية في محاولة لتذكير السكان بأمجادهم ، إلا أنَّ هذا العمل القومي الفارسي العنصري يسعى لنثر أغطية النسيان عن الذاكرة الشعبية القومية وكذلك عن الرموز الوطنية للعرب جميعهم . كما يجري الإهمال المتعمد لقصره التاريخي الآخر في مدينة المحمرة في حين يجب تجديده ورفده بكل الآثار المحلية وتحويله إلى مزار تاريخي يعزز ذاكرة الأحوازيين الوطنية والقومية .

 

* ـ وحتى حجم الاِستثمارات المركزية التي تقوم بها الدولة الإيرانية في المناطق المختلفة يُتجاهل فيها متطلبات التنمية في الأحواز،بله تتراجع نسبتها حتى قياساً بفترة ما قبل الثورة الإسلامية التي شارك في تنفيذ فصولها المضيئة الشعب العربي الأحوازي،في الوقت الذي ينبع من أرضها النفط الإيراني،وتشكل العائدات المالية الناجمة عن ذلك النفط بنسبة 80% ـ 90% من مجمل تلك الإيرادات،وكذلك ثروة الغاز الطبيعي الذي تحتويه اراضي الاحواز بوفرة وغزارة ،ناهيك عن كل التجارة الناجمة عن تصنيع التمور المختلفة والتي تصدر إلى الخارج الإيراني .

 

     كما جرى التجاهل التام لأي إصلاح زراعي يمس المنطقة وإحياء للأرض أو تطهير جداولها المائية المهمة وتنمية الثروة السمكية.وخصوصاً إنَّ الدراسـات المحلية أثبتت صلاحية الأرض للزراعة الكثيفة بالحمضيات والموز وبكميات تجارية كبيرة وكثيرة، ورغم توفر ـ كذلك ـ الأيدي العاملة المحلية والزهيدة الأجور .

 

* ـ وهناك الطبيعة المتدنية للواقع الاِجتماعي للسكان العرب وإفقارهم المتزايد،إذ يشكلون المادة الأساسية لأحزمة الفقر السكنية التي تطوق المدن العربية في حين يسكن تلك المدن الأغنياء من القوميات الأخـرى المكونة للدولة الإيرانية.وعلى سبيل المثال،فإنَّ 66% من مجموع العنصر العربي يشغلون 5% من المناصب الرسمية العربية في مدينة الأحواز .

وخلال الفترة التي أعقبت قيام الثورة الشعبية الإيرانية في شباط 1979 شهدت المنطقة تعيين أئمة مدن:الأحواز والمحمرة وعبادان،وغيرها،من الأصول غير العربية في حين جرت العادة في العهود السابقة على اِندلاع الثورة على تعيين أئمة المساجد من الأشخاص العرب،إنَّ كل ذلك يدلل على إبعاد العناصر العربية بصورة منهجية ومبرمجة على تلقي العلوم الدينية التي تهتم بها السلطة القائمة، ويمنعهم من تنمية مستوياتهم الثقافية التي ترتبط بجذورهم الحضارية العربية الإسلامية .

 

    وخلال الفترة الماضية شهد شعبنا العربي ظواهر اِجتماعية خطيرة لا يمكن تفسيرها بغير الحرص المقصود لبعض الأطراف الرسمية في النظام على نشرها وتعميمها والتي تستهدف إفساد الشباب العربي من خلال الترويج لمسببات هذه الظواهر الاِجتماعية الخطيرة،من قبيل نشر ظاهرة المخدرات والترويج لتعاطيها والإدمان عليها،ولو درسنا لحالات الاِنتحار المصاحبة لها،لوجدنا إنَّ النسبة فيها تفوق في منطقتنا العربية عن أية منطقة أخرى ، خصوصاً في السنوات الأخيرة.كما إنَّ معدل البطالة تجاوزَ في بعض الحالات وفي كل الأشغال التي تتطلب كفاءة أو لا تتطلب الكفاءة قد بلغ أكثر من : 70% .

 

    كما يجري على قدم وساق تنفيذ سياسة مبرمجة تستهدف مصادرة الأرض من بعض المزارعين الكبار أو الصغار ورميهم في مستنقع البطالة،أو جعلهم من سكان مدن الصفيح والأكواخ المحيطة بالمدن،وتجري عمليات المصادرة بذرائع مختلفة من قبيل تأسيس مشروع قصب السكر وجلب العناصر الفارسية للعمل به،وإقامة معسكرات خاصة بالجيش الإيراني بدعوى الحفاظ على الأمن .

 

الوفد الوطني العربي الأحوازي
الذي زار القاهرة بهدف التعريف بالقضية الأحوازية
بمناسبة الذكرى 83 للإحتلال الفارسي للأحواز

المزيد


الوسطية في فكر البعث

مارس 31st, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

الوسطية في فكر البعث

لقد جرى في الآونة الأخيرة تداول مصطلح الوسطية من قبل أدعياء الثقافة ووسائل الأعلام العربي بشكل يعد تشويها لهذا المصطلح وإفراغا له من مضمونه ،فقد جرى تعريف الوسطية بأنها حالة تنأى عن التشدد والجمود والتزمت كونها تمثل الحلول الوسط مما يكسب هذا النهج واتباعه احترام الصديق والعدو في الآن نفسه وجرى تصنيف الدول العربية بناء على هذا الأساس إلى دول متزمتة ودول أخرى تنتهج النهج الوسطي مما اكسبها دورا محوريا في المنطقة العربية أو ما يسمى" بالإقليم"على حد تعبيرهم ،وادعوا ان الطرح الوسطي أدى بتلك الدول إلى تحقيق قفزات نوعية في برامج التنمية وتحقيق مستويات متقدمة من الرفاهية لشعوبها ،فما هي الوسطية إذن ؟؟
هل تعني الوسطية الارتماء في أحضان أعداء الأمة وهل تعني استلاب إرادة الأمة ورهن مقدرات الأمة للإمبريالية والصهيونية والتنازل بشكل مخزي عن ثوابت الأمة.
ان الوسطية الحقيقية نهج أصيل في فكر البعث وهي فكرة لم تنشأ من فراغ بل جاءت
لتؤكد أننا أمة وسطا كما جاء في محكم التنزيل"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وان كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم وان الله بالناس لرؤوف رحيم" صدق الله العظيم (البقرة143)،وكذلك في الحديث الشريف "خير الأمور أوسطها" ولذلك جاء البعث ليجعل هذه الفكرة محورية في فكره كونه(أي البعث) هو خير تعبير عن شخصية الأمة ،ولبيان ذلك لابد من الإشارة إلى المحاور الرئيسية والمفصلية في أدبيات البعث التي جاءت خير معبر عن الوسطية.
أولا:الديمقراطية المركزية
ونلاحظ هنا الربط والجمع ما بين مفهومين هما طرفي نقيض ،فالديموقراطية بمعنى المشاركة في الرأي واتخاذ القرار -لكن ما أراده البعث ليس الديموقراطية الليبرالية المتحررة من كل قيد أو ضابط- ولذلك نجد ان الديموقراطية اقترنت هنا بالمركزية التي تعني ان هنالك تمركز في القرارات ولا يعني بالتأكيد الدكتاتورية وإنما الالتزام بثوابت الأمة التي جاء البعث خير معبر عنها ،ولإلقاء المزيد من الضوء على هذا المفهوم الذي نحتته أدبيات البعث،حيث انه مفهوم غير موجود إلا في أدبيات البعث ،مما يدلل ان البعث قد اسهم مساهمة عملاقة في تطوير الفكر العربي الحديث بشكل عام وبذلك استحق عن جدارة ان يكون خير معبر عن شخصية الأمة وإبراز الوجه الحضاري لها،فالديموقراطية المركزية تتألف من أربعة عناصر متكاملة مترابطة عضويا لا يمكن
الأخذ ببعضها وإغفال الآخر وهي :
1.انتخاب اولى الحلقات القيادية من القواعد و انبثاق التسلسل الأعلى اللاحق :وهي باختصار ان الخلية اللبنة الأساسية في التنظيم ومنها ينبثق التنظيم والتسلسل شيء غاية في الأهمية حيث انه يبرز الشكل الهرمي للتنظيم فعلى سبيل المثال لا يمكن ان يتم انتخاب قيادة شعبة دون انتخاب قيادة فرقة في البداية وهذا ينسحب على المستويات الأعلى.
2. نفذ ثم ناقش : وهي التعبير عن الثقة المطلقة للقواعد بقيادتها حيث انه من البديهي ان يكون القيادي صاحب خبرة ودراية وتجربة نضالية طويلة إضافة إلى انه مطلع على خفايا الأمور في التنظيم مما يؤهله ان يكون على قدرة اكبر لاتخاذ القرار المناسب ولذلك ليس من الضروري اطلاع الرفاق في القواعد على خلفيات أي قرار قد اتخذ لكن بالمقابل كفل الحزب للكادر الحزبي حق إبداء الرأي والاعتراض بعد تنفيذ التعليمات وذلك يعطي فرصة للقواعد ان تناقش القرارات بعد تنفيذها مما يغني التجربة ويجري من خلال هذه المناقشات التأشير على نقاط الضعف والخلل التي حصلت خلال التنفيذ ليتم تلافيها مستقبلا .
3. حرية النقد والنقد الذاتي : فقد أرسى حزبنا العظيم هذه الممارسة ابتداء من اللبنة الأولى في التنظيم صعودا إلى أعلى مستوى قيادة ليتم تأصيل هذه الممارسة في سلوك الرفاق في التنظيم ولتكون فيما بعد أحد أبجديات التعامل في حياة الرفاق والنقد هنا يعني النقد البناء المقصود منه تصويب ممارية أو أداء شابه الخلل مما يستدعي التنبيه والتذكير وليس التصيد من اجل الإيقاع بالرفاق أما النقد الذاتي فهو يمثل قمة السمو الأخلاقي حيث ان الاعتراف بالخطأ أمام الرفاق يعود الرفيق نفسه ان يسعى ان يطور من أدائه باستمرار ويتلافى الهفوات والأخطاء وبالمقابل يتعلم الرفاق ان يصفحوا عن رفيقهم الذي اعترف بخطئه أمامهم حيث ان الإنسان بفطرته غير منزه عن الخطأ وهذا الجانب هو التجسيد الحقيقي للحديث النبوي الشريف "كل بني آدم خطاء وخير الخطاءون التوابون"
4. خضوع الأقلية لرأي الأكثرية : وهو ان يؤخذ برأي الأكثرية عندما يتم التصويت على الموضوع ما لكن لا يعني ذلك ان تتخلى الأقلية عن رأيها ولكن يجب عليها ان تنفذ ما اختارته الأكثرية وهنا لا بد من توضيح أمر غاية في الأهمية من حيث ان اختلاف الرأي هنا حول الأمور الثانوية وليس المبادئ أو الثوابت فالمبادئ والثوابت لا مجال للنقاش فيها فهي لا يمكن تجزئتها أو التنازل عنها فهذه الممارية تغرس في الرفاق عادة الابتعاد عن التزمت في الرأي .
ثانيا: العلمانية المؤمنة
فنلاحظ هنا المزج بين العلمانية بمعناها المجرد( وهو فصل الدين عن الدولة )والإيمان برسالة الأمة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لحملها إلى العالمين ،والرسالة هي حقيقة إيمانية وليست رافعة أيديولوجية، فالعلمانية التي انتهجها البعث هي علمانية مؤمنة ل

المزيد


الحضارة والدور الحضاري في فكر البعث العربي الإشتراكي

مارس 31st, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

الحضارة والدور الحضاري
في فكر البعث العربي الإشتراكي

الدكتور عزالدين ذياب

لم يتوقف النقاش والحوار بين علماء الحضارة والعلوم الإنسانيةحول مفهوم الحضارة ومكوناتها. وأضاف النقاش الدائر تعريفات وتفسيرات جديدة للحضارة. كثرت معها المناهج والنظريات.
في هذا الفصل لن ندخل في توصيف وجهات النظر تلك،انطلاقا من أن القواسم المشتركة الموجودة بينها تجعله يسلك طريقا آخر. تحدد وجهتهسلامة موقف الفكر القومي من القضية الحضارية، وخاصة عند الأستاذ في كتاباته الكثيرةعن الحضارة ومعارك الحضارة العربية.
وإذا كان هناك من قصور في هذا الفكر تجاههذه المسألة أو تلك من المسائل الحضارية وغيرها فهذه ليست سمته وحده بل هي خصيصةيشترك فيها الفكر الماركسي والوضعي والوظيفي والبنيوي.. الخ وذلك بحكم التغيراتالاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحدث كل يوم وشهر في المجتمعات.
أما مايقال عن هشاشة (1) فكر الأستاذ تجاه المسائل الاجتماعية. فهي هشاشة ذلك النفر منالكتاب والمنظرين لأن هناك مسائل لا يقطع فيها الفكر العلمي، لأن الحتميات عنده غيرموجودة في صورتها المطلقة.
بناء على ما تقدم، فإن توضيح معنى الحضارة سيتم منخلال تلك الاحترازات، وسيكون لآراء بعض المفكرين العرب الأولوية في هذا التفسير،لندعم من خلالها مقاربتنا مفهوم الدور الحضاري بشكل عام، وفي فكر الأستاذ عفلق بشكلخاص. وهذا التفسير سيكون جوهر هذا العمل لأن له وجهاته المنهجية في الوقفة الرصينةالتي وقفها الأستاذ من مسألة الدور الحضاري، وما يعنى الأمة العربية. وما يحملها منمهام تجاه مستقبلها، وتجاه مستقبل الأمم الأخرى، على ضوء رؤيته الحوار والصراعالحضاري غير المتوقف على الإطلاق بين الحضارات. وأيضا عندما حدد وجهة هذا الدور،ومضمونه ووظيفته على المستويات الوطنية والقومية والعالمية.
لذلك نباشر بتعريفالحضارة والدور الحضاري. بالقدر الذي يخدم فيه تعريف الحضارة الدور الحضاري بناءعلى القواسم المشتركة بين الحضارات من جهة، واختلاف فلسفاتها واتجاهاتها من جهةثانية لأن الفلسفات هي التي تؤدي إلى اختلاف شخصية الحضارات. وهي أحد مصادرخصوصيتها الحضارية، وتفردها بدورها الحضاري.
والملاحظ أن علم الحضارة وقف أمامخصوصية الحضارة دارسا ومحللا من أجل معرفة أسباب الوحدة والاختلاف بين الحضارات.
تعني الحضارة كل نشاط تمارسه الأمم من أجل بلوغ ما تصبو إليه. ومواجهة كل ما منشأنه أن يحول دون وصول الأمم إلى أهدافها وتطلعاتها. إلا أن هذا النشاط لا يتساوىعند كل علماء الحضارة وعدم التساوي ينتج من خلال تفاوت درجات الوعي عند علماءالحضارة، لأن (2) "الوعي ليس شيئا آخر سوى الوجود الواعي،ووجود البشر".

إذافالحضارة ظاهرة إنسانية تشترك فيها كل الأمم. كل أمة داخل ترابها، وتجربتهاالاجتماعية، وتحت تأثير مناخها وثرواتها، وما يصاحب ذلك من تحديات بيئية وما تمر بهمن ظروف مواتية أو غير مواتية لإنتاجها وعملها الحضاري.
ويعرف الدكتور قسطنطينزريق الحضارة بقوله (3): "ترى ما هو بعد، الاستنطاق اللغوي مفهومنا للحضارة؟ ماذانقصد بهذه الكلمة، وعلى أي شيء تدور الدراسة التي نحن بصددها؟
لنبادر إلى القولإننا لا نريد بالحضارة هذا المعنى الاصطلاحي الذي يبقيه علماء الاجتماع أوالانثروبولوجيا لفظة culture أي جماع حياة مجتمع من المجتمعات بدائيا كان أو متقدماراقيا. وإنما تعني نمطا من الحياة يتميز بخطوط ألوان من التقدم والرقي".
ويعرفها الدكتور حسين مؤنس بقوله (4): " الحضارة في مفهومنا العام. هي ثمرة كلجهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء أكان المجهود المبذول للوصول الى تلكالثمرة مقصودا أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية.
وهذا المفهومللحضارة مرتبط أشد الارتباط بالتاريخ لأن التاريخ، كما سنرى هو الزمن، والثمراتالحضارية التي ذكرناها تحتاج إلى زمن لكي تطلع. أي أنها جزء من التاريخ، أو نتاجللتاريخ. وكما أن ثمرة الزرع والأشجار لا يطلع إلا بفعل الزمن. إذ لا يمكن أن تزرعوتحصد ثمرة ما في نفس الوقت، فإن ثمار الحضارة لا تظهر إلا بإضافة الزمن إلى جهدالإنسان". وللحضارة معاني عدة في اللغة العربية مثل الإقامة في المعمورة. أي فيالمدن والقرى.
ويشرحها لسان العرب بقوله (5): "والحضر خلاف البدو، والحاضر خلافالبادي،والحضارة الإقامة في الحضر.
وفي وصفه الحضارة، يقول عنها ابن خلدون إنها (6) طور طبيعي في حياة الشعوب. تبدأ من البداوة، وتنتهي في الحضر، وأن البدو أصلالحضر. ولذلك تتحول إلى غاية للبداوة".
ويتابع أبن خلدون الحضارة في لحظاتتطورها وتحولها، ويرى أنها تجعل الشعوب يتسعون في أحوالهم (7): "وحصل لهم ما فوقالحاجة من الغنى والرقة. ودعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعاونوا من الزائد علىالضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتألق وتوسعة البيوت، واستعداد المدنوالأمصار للحضر. ثم تزايد أحوال الرقة والعزيمة، فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغهافي التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ، وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها منالحرير والديباج. وغير ذلك، ومعالاة البيوت والصروح وأحكام وصفها في تجددهاوالانتهاء في الصنائع من الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها " فيتخذون القصوروالمنازل، ويجدون فيها المياه ويعالون في صرحها، ويبالغون في تسخيرها، ويختلفون فياستجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آلية، أو ما عون وهؤلاء هم الحضرومعناه الحاضرون من أهم الأمصار والبلدان. ومن هؤلاء من ينتحل في معاشهم الصنائعومنهم من ينتحل التجارة. وتكون مكاسبهم أغنى وأرفه من أهله البدو لأن أحوالهم زائدةعلى الضروري، ومعاشرهم على نسبة وجودهم فقد تبين أن أجيال البدو والحضر طبيعية لابد منها، كما قلنا ".
ويتبين من كلام ابن خلدون أن الحضارة عنده تبدأ من مرحلةالبداوة، ثم يتطور أهلها تدريجيا حتى يبلغوا الحضر فيصبحوا منه بالجهد والعمل.
أما الأستاذ عفلق فهولا يقدم تعريفا محددا للحضارة، بل يتناولها بالشرحوالتحليل والتأويل من خلال واقع الأمة العربية ومعاركها في النهضة،ويتساءل في هذاالمضمار (8):
"
كيف فكرت هذه الحركة بأنها تستطيع أن تحقق نهضة أصيلة لأمتنا؟" ويجيب: "الفكرة المضيئة التي أنارت الطريق من البداية كانت بهذه البساطة بأننا نحنفي وضع متخلف ومحكوم من قبل المستعمرين ومستغل ومجزأ لأن القسم الأكبر من إمكاناتشعبنا غير مستغله، مخنوقة لا يسمح لها بأن تنطلق. بأن تتحقق. أو إن بعضها يستغل ضدمصلحة الآمة بدلا من أن يكون في خدمة الأمة وفي خدمة نهضتها".
وعلى ضوء ذلكيسأل ما هي مهمة الثورة أو الحركة الثورية تجاه النهضة؟ هي أن تسعى دوما لكي تهيئالظروف والشروط التي تمكن شعبنا العربي في كل أقطاره وجماهيرنا الواسعة من أن تتحققإمكاناتها ’ تنتج. تناضل تفكر، تستخدم كل مواهبها كما هي الحال في كل شعب راق.. معيار الرقي الحقيقي هو عندما يكون مجموع الشعب أو على الأقل الأكثرية الكبيرة منالشعب في حالة انطلاق وإنتاج، لاتحد من قدرته قيود مصطنعة عراقيل مصطنعه سواء نتيجةالتخلف والعادات المستقيمة والجهل وتحكم طبقات مستغله ترى من مصلحتها بقاء الجهلوبقاء الجمود والانكماش أو بفعل مؤشرات خارجية، احتلال أجنبي أو ضغط أجنبي، أواستغلال بأي شكل من الأشكال ". ولكن ما السبيل إلى النهضة والتغيير نحو الأفضل؟
ويجيب الأستاذ بحكمة وروية وبعد نظر حضاري "نعود دوما" إلى واقعنا ونرى، نبحثنشاهد نجحنا في تحطيم القيود التي تعطل نشاط وإبداع جماهيرنا الشعبية ’ شعبنا بصورةعامة. هل وجد الشروط الملائمة والمساعدة على أن يعطي أقصى جهوده وأحسن ما يستطيعه،وأحسن وأغلى قدراته " إذا هناك مهمة للقوى الاجتماعية التي تصنع الحضارة، وثمةمقياس لذلك.
ويجيب بأن على هذه القوى الموجودة في حزب ثوري " أن تزيل من طريقالشعب المعوقات التي تمنع انطلاقة مواهب الشعب وقدرات الشعب (…) المطلوب هو أنتتحقق الحرية والانطلاق والتفتح بإنسانية الإنسان العربي "وإطلاق" إمكانات شعبنابكل نواحيها وبصورة خاصة بأن تنمي في الشعب الدافع الذاتي… الشعور بالمسؤولية،الشعور بأنه حي وأن له حق الحياة.وعندما يكون له حق الحياة تترتب عليه واجباتومسؤوليات لأن الحياة بدون مسؤوليات لا معنى ولا طعم، لأن الحياة الحقيقية المفرحةالسعيدة هي الحياة التي يتحمل فيها الإنسان، ويتحمل فيها الشعب مسؤولية الغدمسؤولية التقدم. مسؤولية التحرر مسؤولية الأجيال القادمة.
ويرى الأستاذ فيالعمل الحضاري مستوى معينا من اليقظة. ولأن اليقظة لها وجهة وهدف، وهي عنده فيالحضارة العربية (… الانطلاق في العمل وفي الإنتاج لا يقتصر على الإنتاج المحدد،وإنما يجب أن يذهب إلى أعماق النفس إلى أعماق الشعور بمعنى وجود إنسان. لماذا هوموجود على وجه البسيطة؟ لم يوجد عبثا – له رسالة – هناك معنى لوجود الإنسان ولوجودالشعب، وعندها تكون النهضة أصله).
ونستخلص من أقوال الأستاذ إن الحضارة أرض،وإنسان، وزمن. في الأرض ثروة وإمكانات، وموقع وطاقات مادية. والزمن ماض وحاضرومستقبل. وكل لحظة منه تتداخل في الثانية (9).
والإنسان عنده هو القوة الفاعلةفي الأرض والزمن. غيران الفعل له شروط مادية وذاتية ويحدده الأستاذ في الإرادةوالإيمان ودوافع ذاتية أخرى.
وثمة مستويات للحضارة: تقدم وتأخر، تخلف وازدهار،تألق وتكاسل. وان كل أمة تمر بأطوار حضارية مختلفة. تتقدم تارة وتتخلف تارة أخرى. ومهمة الشعب أي شعب، أن يصل الى التقدم، أن يقضي على التخلف، لأن للإنسان رسالة. وهذا في رأيه الذي يجعل العربي يقدر إنسانيته ويعيشها. ويعمل على إطلاق إمكاناتأمته وإرادتها، لان الإرادة هي الحرية، وهي وليدة الحرية.
والمعروف أن لكلحضارة وجهتها في السلم والحرب. والقوة والحرية. وهذه الوجهة هي التي تحدد للصراع

المزيد


العلاقة الجدلية بين الوحدة والرسالة الخالدة

مارس 31st, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

العلاقة الجدلية بين الوحدة والرسالة الخالدة 
 
 (امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) هذا الشعار الذي تردده بخشوع وزهو مئات الآلاف من الحناجر في الوطن العربي، والذي رددته في دمشق منذ ستة عقود يوم كان البعث فكرة سامية تراود مخيلة مجموعة من شباب العرب المؤمنين بقدر وحتمية انتصار أمتهم في تحقيق رسالتهم الخالدة… فاذن هذا الشعار ما معناه وما حقيقته وما دلالاته؟.
يتلوا البعثيون شعارهم هذا في مبدأ اجتماعهم وقوفا خاشعين مستذكرين حقيقة أمتهم وشخصيتها ودورها الكبير في التاريخ والرسالة التي تنهض بها الآن وفي المستقبل، ويتلونه في ختام اجتماعهم أيض، ويصدرون به دراساتهم الحزبية والفكرية ورسائلهم التنظيمية وتقارير اجتماعاتهم وكل أدبياتهم ويرفعونه عاليا في احتفالاتهم ومسيراتهم ومظاهراتهم وأعيادهم القومية، ويشعر البعثيون أنهم حين يفعلون ذلك يقومون بواجب مقدس.
  كان اول ظهور للشعار في ادبيات الحزب عام 1943، ولم يكن الشعار انذاك يتصدر البيانات السياسية للبعث وإنما بدا يظهر في نهاية عام 1944، ثم بدأ يتصدر البيانات والنشرات الداخلية حتى اصبح البعثيون يرددونه في مبدأ اجتماعاتهم وختامها… واكتسب هذا الشعار صفته الرسمية بميلاد الحزب رسميا، اذ ثبت ذلك في دستوره الذي اقره مؤتمره التأسيسي عام 1947، فقد ورد في المبدأ الثالث من المبادئ الأساسية الثلاثة للدستور، ان الأمة العربية ذات رسالة تظهر بإشكال متجددة متكاملة في مراحل التاريخ وترمي الى تجديد القيم الإنسانية وتحفيز التقدم البشري وتنمية الانسجام والتعاون بين الامم.
 ان التأمل في المعاني والدلالات التي ينطوي عليها شعار امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة يكشف عن ان هذا الشعار تعبير عن المعانات الحية الصادقة التي مرت بها الامة عبر تاريخها الطويل الحافل بالاحداث الجسام، وهو انسجام فكري حقيقي ينم عن الفهم الواقعي لحاظر الامة وماضيها مستشرفا ما ينتظرها من مستقبل نير متقدم مزدهر، ان الشعار في الوقت الذي يولد فيه الحاضر ويستند الى الماضي فانه يرنو الى المستقبل بأفق مفتوح.
وواضح من تلاوة الشعار انه يتكون من جزأين مترابطين بالمعنى والدلالة، اما صدر الشعار (امة عربية واحدة) فيؤكد حقيقة ملموسة بالشواهد التاريخية والواقعية وهي ان الامة العربية امة واحدة، وبذلك فهو يتضمن حقيقة اخرى تلك هي ان التجزئة الراهنة للامة العربية والوطن العربي امر مصطنع ابتلت به الامة بسبب الاستعمار وما جرته عليها عهود التخلف وضعف الوعي القومي، ان الوحدة في منظور البعث تقوم بجهود الجماهير ونضالها الاشتراكي ممتزجة بتجربة الامة في مرحلتها

المزيد


عفلق وقضية فلسطين(1 )

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراساتComments Off

 

عفلق وقضية فلسطين(1 )
 
الرفيق الدكتور حسن خليل غريب
 
مقدمات منهجية:
 
 
‏أولاً: يتميز ميشيل عفلق بأنه شغل موقعين متكاملين: ميشيل عفلق المفكر، ‏وميشيل عفلق القائد الحزبي.
‏ثانياً: كان عفلق يصيغ أفكاره في جو نقدي في واقع التيارات الفكرية والسياسية العاملة في الحقلين القومي والقطري.
‏ثالثاً: لا يمكن استيعاب موقف عفلق من القضية الفلسطينية إلا من داخل اتجاهاته في الفكر القومي العربي.
رابعاً: لم يضع ميشيل عفلق، ‏منذ بداية التأسيس نظرية متكاملة للمسألة القومية وقضاياها السياسية المتفرعة عنها.
‏خامساً: ثبات إستراتيجية عفلق الفكرية والسياسية من القضية الفلسطينية.
I- مواقف التيارات الماركسية السلبية من المسألة القومية قادتها إلى مواقف سلبية من القضية الفلسطينية.
II- ترابط المضمون الفكري للقومية العربية عند عفلق مع القضايا القطرية.
III-

المزيد


خلود رسالة البعث الدكتور محمود عزام

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

خلود رسالة البعث
 
 
الدكتور محمود عزام
 
 
 
عندما شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها الغادرة على العراق في 20 آذار 2003 بهدف إسقاط نظامه الوطني واحتلاله و(القضاء على حزب البعث العربي الاشتراكي) وأفكاره القومية والوطنية بشكل نهائي.. كانت على رأس حلف شيطاني واسع قلما سمعنا عنه في التأريخ!.. وقد ضم هذا التحالف عدا الولايات المتحدة وبريطانيا و"إسرائيل" وإيران ودول غربية وإسلامية وعربية أخرى: (الشيوعيين من الأعداء التقليدين للاستعمار والإمبريالية والرأسمالية!.. وحاملي الرايات السود لآل البيت والمدافعين عنهم!.. وآيات الله العظمى والمراجع الدينية وحجج الإسلام مِن حاملي راية الجهاد ضد الطغيان!.. مَن كان ينام في حضن إيران ومَن كان يتسكع في حانات لندن وبيروت وواشنطن!.. مَن كان عميلا "للموساد" أو عميلا "للسافاك" أو "للسي آي أي" أو "أم آي 6" وبقية أجهزة ومخابرات العالم!.. مَن كان يناصر عبد الكريم قاسم أو عبد الناصر أو مَن كان يكرههما!.. الذي يدعي حرصه على الجمهورية والراغب بالملكية الهاشمية!.. الذي ينادي بالوحدة العراقية ومن ينادي بتقسيم العراق!.. العنصري الكاره للعرب من الأكراد.. والعربي الذي يرفض مطالب الانفصاليين الأكراد!.. وغيرهم مِن أعداء البعث مِن المتناقضين في المبدأ والعقيدة والوسيلة والانتماء!..)..
كانت لكل هؤلاء الأعداء الانتهازيين المتلونين فرصة ثمينة ليقضوا على الحزب نهائيا.. بحيث لا تقوم له قائمة أبدا..
وكانت كل المؤشرات تقول إن هذه الفرصة النادرة لن تتكرر أبدا..
وستكون مصيرية للمعتدي والمعتدى عليه..
ومعركة بهذا الحجم وهذا التحالف وبهذه الإمكانات سيكون الخاسر فيها (حتما!) هو البعث والنظام الشرعي في العراق!..
وهذه هي الأمنية التي حلموا بها سنين طويلة!..
فسينتهي البعث إلى الأبد!..
ولن يذكره أحد بعدها بخير.. وستتناساه الأجيال!..
وتموت شعاراته!..
ويعلوا كتبه ونشراته وفكره التراب!..
كانت أمامهم فرصة تأريخية لن تتكرر أبدا!..
فالولاي

المزيد


الحريات والمجتمع في فكر البعث

مارس 15th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

الحريات والمجتمع في فكر البعث
 
 
يجب أن نعترف بداية في هذا الحوار أننا لا نحاول استعراض ماض فكري لنقف عنده.. بقصد التمجيد.. لأن ذلك يعني الوقوف في المكان وعدم تجاوز الماضي.. وليس القصد من ذلك استعادة الماضي لتزيين الحاضر أو نغطي على عيوبه.. وإنما القصد من ذلك هو الاستفادة من استعراض الفكر في ماضيه وحاضره.. انطلاقاً به لبناء المستقبل مع ضرورة التأكيد على إسقاط السلبي وتكريس الإيجابي وذلك لأن تطور الفكر الإنساني هو عملية تراكم معرفي يغني بالنظرية المبنية على العلم والمعرفة الفكرية ويقّوم ويتنامى من خلال الممارسة والتطبيق..
وفي موضوعنا اليوم عن الحريات والمجتمع في فكر البعث لا بد أن نتفق على عدد من المقولات حتى نجد رابطاً في استعراضنا لهذا الفكر وتقييمه وتشكيل الموقف منه وليس قصدنا من ذلك هو التوجيه لفرض نسق فكري ومعرفي على الناس.. لأن ذلك ليس من صلاحياتنا أولاً ولسنا مؤهلين له ثانياً كما أن البعث كحركة إحياء عربية قومية ترفض فرض هذه الوصاية على الجماهير.. وحتى بعد تأسيس الحزب 1947 وفي مادته الخامسة جاء ما يلي: حزب البعث العربي الاشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك للشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير.. كما أن، قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها.. لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب ويسعى للاتصال به اتصالاً وثيقاً ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والاقتصادي والصحي لكي يستطيع الشعور بشخصيته وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية..
هذه المقولات هي:
1. المقولة الأولى.. إن فكر البعث موجه للأمة وليس إلى طبقة ونعني بأن مصطلح الأمة يختلف عن معنى القومية فالأمة هي مجموع الشعب الذي يعيش على أرض وينتمي إلى تاريخ ويتكلم لغة واحدة ويتطلع إلى عيش مشترك وآمال مشتركة.. ومن هذه المقولة يفترض أن تحتوي الأمة على أديان مختلفة أو أعراق مختلفة.. ولكن الأمة كنسق حضاري واجتماعي قادرة على صهر جميع الناس في بوتقة واحدة كما هو الحال في الدولة العربية الإسلامية.. والأمثلة على ذلك في العصر الحديث كالأمة الأمريكية والأمة الفرنسية والأمة العربية.. وقد أكدت المادة الأولى من الدستور الحزبي على أهمية الوحدة الثقافية والاقتصادية للأمة العربية.
2. المقولة الثانية.. هناك ترابط بين مفهوم الدولة وبين الوطن.. وذلك لأنه لا يمكن للدولة أن تظهر وتمارس عملها بين مجتمع الدول إلا بكونها دولة ذات سيادة ولكي يعترف بها كدولة يجب أن تمارس سيادتها على أرض.. وأن يكون لها قدرة على الاستمرار في ممارسة السيادة.. أي لا بد من شعب يتولى أمر هذه الدولة والسلطة فيها..
3. المقولة الثالثة.. إن قيمة الدولة تتوقف على انبثاقها من إرادة جماهيرية تعطيهم الحق في اختيارها.. وأن لهم مطلق الحرية في هذا الاختيار.
4. المقولة الرابعة .. إن الحزب الذي يتولى التغيير في المجتمع ليتولاه عن طريق إرادة الجماهير الواعية ولمصلحتها بهدف رفع المستوى العقلي والاقتصادي والأخلاقي وممارسة الحقوق الفردية والقومية.
5. المقولة الخامسة.. إن بعث الأمة وبناء الاشتراكية تم عن طريق الانقلاب على الواقع وبالنضال وإن التطور البطيء والإصلاح الجزئي السطحي يهددان الأهداف بالفشل والضياع (المادة6 من الدستور) ويعني الانقلاب على الواقع الفاسد انقلاباً في جميع مناحي الحياة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
6. المقولة السادسة .. إن الحزب حزب ديمقراطي اشتراكي ومجال ساحته هو الوطن العربي.. وفي ذلك تقول المادة /14/ من دستور الحزب ما يلي :نظام الحكم في الدولة العربية هو نظام نيابي دستوري والسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية الذي ينتخبها الشعب مباشرة وتكمل المادة 17 المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن الإرادة وفق القوانين.
7. المقولة السابعة.. يعتبر الحزب أن هناك تلازماً بين الحرية السياسية والحرية الاقتصادية.. ولذلك يقول في المادة /28/ " المواطنون جميعاً متساوون بالقيمة الإنسانية ولذا فإن الحزب يمنع استثمار جهد الآخرين وفي هذا السبيل يطلب في المادة 29 وضع المؤسسات ذات النفع العام وموارد الطبيعة الكبرى ووسائل الإنتاج الكبيرة ووسائل النقل ملك للأمة تديرها الدولة مباشرة وتلغى الشركات والامتيازات الأجنبية في المادة 30-31 وتطالب بتحديد الملكية الزراعية بما يتناسب مع مقدرة المالك على الاستثمار وكذلك تحديد الملكية الصناعية الصغيرة وبما يتناسب مع المستوى الاقتصادي الذي يتمتع به المواطنون في الدولة.
8. المقولة الثامنة .. ينطلق الحزب من إعطاء المرأة حقوقها كالرجل دون تمييز (المادة 12) ويؤكد على ثقافة المجتمع وإلغاء التفاوت الطبقي والتمايز (41-42) وعلى حق المواطنين في التعليم (المادة 45 وحق التعلم المجاني في كل المراحل المادة 46).
كما يؤكد الحزب أنه حزب قومي إنساني وهو جزء من حركة الإنسانية ضد الظلم كما يؤكد على حرية الشعوب واستقلالها والربط بين حرية الوطن وحرية المواطن ويدعو إلى حوار الثقافات الإنسانية ويعتبر أن الأمة العربية في تاريخها أعطت للإنسانية وتأخذ من الإنسانية بما يحقق لها استمرار رسالتها الخالدة
 
الحريات والمجتمع في فكر البعث
ممارسة السلطة
 
أرسى الحزب بعض المفاهيم حول السلطة وممارستها - بحيث أن سلطة الطبقات الكادحة من عمال وفلاحين وجنود ومثقفين ثوريين وبرجوازية صغيرة.. وأعطى أشكالاً للممارسة الديمقراطية في ظل تصور مفهوم للحرية ربط فيها بين حرية الفرد من الاستغلال وحرية الأمة من الاستعمار.. وجعل نوعين من التلازم بين التحرير الاقتصادي أي بناء الاشتراكية وبين التحرر من التبعية والاستعمار.. كما أنه جعل الطبقة الكادحة من جهة وطبقة الرأسمالية والإقطاعيين والمتحالفين مع الاستعمار في جهة أخرى كما جعل أعداء الوحدة العربية هم حلفاء أعوان الاستعمار.. ((هذا ما تظهره المنطلق

المزيد


حوار حول الدين والتراث .. القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق ( عليه رحمة الله )

فبراير 24th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

حوار حول الدين والتراث

  ما هو رأي الرفيق القائد المؤسس بما يجري من تسعير لحملة العداء والحقد العنصري على العروبة؟ وضد العراق؟ وما هي حقيقة نظرة الحزب منذ التأسيس للدين؟

هناك صلة قوية. إن فترة التأسيس فيها ما يتصل بالظرف الحاضر والأزمة الراهنة التي نواجهها، وفي شعوري إن فترة التأسيس تحوي كل شيء. إنها ثرة وغنية، وقد لا تكون عبرت عن نفسها التعبير الكافي، لكن أكثر الأفكار التي جاء بها الحزب على امتداد مسيرته الطويلة، كانت متضمنة في الفكرة الأساسية. ما أود الإشارة إليه هنا هو التالي: حركة البعث ولدت من نظرة فكرية لنسمها فكرية حتى لا نقول فلسفية على أساس أن فلسفية كلمة ضخمة، أقول من نظرة فكرية ممتزجة بمعاناة وجدانية أرادت ان تجمع شيئين أساسيين هما: الإيمان والعقلانية .

 

التجربة الروحية في حياة العرب، أي الإسلام، وروح العصر هذان هما الإيمان والعقلانية، ووراء هذه الإرادة قناعة بأننا لا نجمع نقيضين، ولا حتى شيئين مختلفين وانما شيئا واحدا يأخذ مظهرين حسب اختلاف الزمان.

 

ونظرة الحزب إلى الإسلام، كيف كانت منذ البداية؟

نظرة الحزب إلى الإسلام هي هذه: انه حي في هذا العصر أكثر من أي شيء آخر، عصري، ومستقبلي أيضا، لأنه خالد يعبر عن حقائق أساسية خالدة، لكن المهم هو الاتصال بهذه الحقائق لكي تؤثر وتكون فاعلة ومبدعة. فكان رأي الحزب نتيجة التفكير ونتيجة المعاناة معا، ان هذا الاتصال لا يكون بالنقل الحرفي، ولا بالتقليد وإنما بان تكتشف هذه الحقائق من جديد، من خلال ثقافة العصر ومن خلال الثورة والنضال .

 

كيف إذن تعامل البعث، منذ فترة التأسيس مع هذه الحقائق ليصل الى الثورة؟

الحزب وضع مبادئ عقلانية علمية للثورة العربية، أستنبطها من ثقافة العصر، ومن واقع الأمة العربية واقع جماهيرها الواسعة، جماهيرها الكادحة، ورسم لهذه الجماهير طريقا للنضال من اجل بلوغ أهدافها وفي الوقت نفسه وضع هذا النضال في جو الرسالة العربية وقيمها الروحية والأخلاقية أي انه وضع ثورة الجماهير العربية في أفق حضاري متصل بماضي الأمة وتراثها الخالد من اجل تجديد هذه الرسالة في المستقبل.

 

إذن الحزب لم يكن مع الإلحاد؟

أبدا.. هذه كتاباتنا، على قلتها، ومنذ “ذكرى الرسول العربي” عام 1943 وقبل ذلك، أقول في ذكرى الرسول العربي -واعتقد في الصفحة الثانية- “يجب أن تتحد الصلاة مع العقل النير مع الساعد المفتول، لتؤدي كلها إلى العمل العفوي الطلق الغني القوى المحكم الصائب”، فهذه قناعاتي الفكرية العميقة، بان الفكر النير وحده لا يكفي بل لابد أن يتحد مع الصلاة ومع الساعد المفتول (تعبير عن الشجاعة، عن حيوية الإنسان وإرادته). قبل ذلك، ماذا أقول في ذكرى الرسول العربي.. قلت “نحن أمام حقيقة راهنة هي الانقطاع بل التناقض بين ماضينا المجيد وحاضرنا المعيب. كانت الشخصية العربية كلا موحدا، لا فرق بين روحها وفكرها، بين عملها وقولها، بين أخلاقها الخاصة وأخلاقها العامة، وكانت الحياة العربية تامة، ريانة، مترعة يتضافر فيها الفكر والروح والعمل وكل الغرائز القوية، أما نحن، فلا نعرف غير الشخصية المنقسمة المجزأة، ولا نعرف إلا حياة فقيرة جزئية، إذا أهلها العقل فان الروح تجفوها، وان داخلتها العاطفة فالفكر ينبو عنها: إما فكرية جديبة، أو عملية هوجاء، فهي أبدا محرومة من بعض القوى الجوهرية، وقد آن لنا أن نزيل هذا التناقض فنعيد للشخصية العربية وحدتها، وللحياة العربية تمامها.”

 

هذه الأمور القليلة.. كتاباتي، وهي كل قناعاتي أمامكم، كل ما كتب على امتداد أربعين سنة، إذا أستطاع أحد ان يجد عبارة واحدة تشذ عن هذه الروح في كل ما كتب -عبارة من منبع فكري آخر- تناقض أو تختلف.. فليقل ذلك صراحة، إنها روح واحدة عبرت عن نفسها في مناسبات مختلفة. قناعات فكرية لم تختلف، لكن الظروف السياسية وظروف المجتمع، صعوبة العمل الثوري في مجتمعنا، هذه الأمور أخرت ظهور هذه الأفكار وإعطاءها الاهتمام المطلوب .

 

والآن نشعر بأن في تجربة حزبنا في العراق للمرة الأولى تأخذ أفكار الحزب مداها.

 

والتآمر الذي تتعرض له التجربة في القطر العراقي؟


المزيد


المسألة الديمقراطية … في فكر الشهيد القائد صدام حسين

فبراير 13th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

المسألة الديمقراطية

في فكر الشهيد القائد صدام حسين

شبكة البصرة

عزالدين بن حسين القوطالي

أسيل كثير من الحبر وأستهلكت مئات الآلاف من الأقلام في الكتابة عن الشهيد القائد صدام حسين وأسلوبه في الحكم وتصوره للممارسة السياسية وتطبيقاته للصيغ الديمقراطية في ميادين القيادة والمنظمات الشعبية والأحزاب السياسية والعلاقة مع الجماهير ؛ وأختلفت الآراء والتصورات والتقييمات وتباينت بل وتناقضت في أغلب الأحيان إنطلاقا من تناقض المرجعيات الفكرية والإيديولوجية لكلّ من تصدّى لمعالجة موضوعة الديمقراطية في فكر وممارسة الشهيد القائد.

ولعلّ أغلب من كتب في هذا الموضوع كان يعتمد بالأساس على موقفه الشخصي من العقيدة القومية العربية عموما وعقيدة البعث العربي الإشتراكي بصفة خاصة دون أن يحاول تجاوز الجانب الذاتي من الموضوع والإستئناس بالتحليل العلمي الواقعي والموضوعي المبني على تشريح المنطلقات النظرية إنطلاقا من جملة تصورات وأفكار وأطروحات القائد الشهيد كما دوذنها بنفسه وخطّها بقلمه وعبّر عنها بلسانه في العديد من المناسبات والأحاديث المرجعية خلال مسيرة نضالية طويلة تراوحت بين العمل السري في إطار التنظيم الحزبي والعمل العلني في إطار قيادة الدولة والمجتمع.

 

ومن هذا المنطلق كان من الضروري تناول موضوعة الديمقراطية في فكر الشهيد القائد بعيدا عن التشنج والإنفعال والشخصانية المفرطة والتركيز بصفة أساسية على الجوانب الموضوعية من خلال الدراسة العلمية التوثيقية لأحاديثه وكتاباته التي تعبر حتما عن فهمه لهذه الإشكالية التي وقع تعويمها وتأويلها وإستغلالها من طرف القوى المعادية لخدمة أهدافها السرية والعلنية بحيث أصبحت الديمقراطية عند هؤلاء كلمة حق يراد بها الباطل وشماعة يتخفى خلفها الغزاة والعملاء والطامعين وكلّ من هبّ ودبّ من المتسلقين والإنتهازيين والوصوليين وأشباه المثقفين في الوطن العربي والعالم.

وهذا ما يجعل من المسألة الديمقراطية في غاية التعقيد طالما أنها يمكن أن تستغل لخدمة أغراض لا علاقة لها بالمفهوم الديمقراطي الصحيح الذي أجمع عليها الباحثين والمفكرين والكتاب ؛ ولقد عبر الشهيد القائد عن هذا الموقف حينما قال : ((سوف تبقى المسألة الديمقراطية من أكثر المسائل تعقيدا ومن أكثر المسائل التي تشغل الفكر الإنساني والفكر السياسي والصيغ الدستورية الآن وفي المستقبل لأن المسألة الديمقراطية مسألة إنسانية في الوقت الذي هي مسألة سياسية كبرى..)) –(1)-.

والأكثر من ذلك فإن المسألة الديمقراطية تعدّ من المسائل السياسية والإنسانية الخاضعة الى مبدأ النسبية إذ لا وجود لديمقراطية تامة المعالم ومكتملة الأركان حتى في أكبر مجتمعات ما يسمى بالعالم الحرّ ؛ فطالما لم تتحقق مقولة حكم الشعب بالشعب وللشعب كاملة غير منقوصة أو مجتزئة فإن الحديث عن الديمقراطية يصبح مجرد تبرير سياسي لأساليب الإلتفاف حول إرادة الشعوب في ممارسة حقوقها الطبيعية في الإختيار الحرّ بعيدا عن مغريات المادة وضغط السلطة وتأثير أصحاب النفوذ والجاه والسلطان.

ومن هناك فإن ما حققته البشرية من إنجازات في الممارسة الديمقراطية يعتبر مجرّد خطوة في الإتجاه الصحيح إتجاه حكم الشعب بالشعب وللشعب وجعل الإنسان قيمة عليا في المجتمع ولكنها خطوة لا بدّ أن تتلوها خطوات لكي يتحقق المعنى الحقيقي للديمقراطية على أرض الواقع الديمقراطية الأصلية المتأصلة وليس ديمقراطية المكيالين وديمقراطية الطوائف كما هو الشأن بالنسبة لما جاء به الغزاة الأمريكيون الى أرض الرافدين.

وعلى هذا الأساس كان فهم الشهيد القائد صدام حسين للديمقراطية مرتبطا أشدّ ما يكون الإرتباط بمدى تحقيق شروط الحكم الشعبي والمصلحة الجماهيرية من خلال ممارسة الشعب لحقوقه كاملة غير منقوصة بصفة حقيقية وبعيدا عن الصيغ الشكلية المعروفة نتائجها سلفا في الأنظمة الرأسمالية والرجعية والديكتاتورية ؛ وهذا الفهم يجد أساسه ومصدره في أدبيات حزب البعث العربي الإشتراكي التي تربى عليها القائد الشهيد ونهل منها وإستلهم أفكاره وتصوراته ومنها بالخصوص ما تضمّنه دستور الحزب من مواد وفصول تتناول فكرة سيادة الشعب ومصلحة الجماهير إذ جاء مثلا بالمادة الخامسة أن : ((حزب البعث العربي الإشتراكي شعبي يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة وأن قيمة الدولة ناجمة عن إنبثاقها عن إرادة الجماهير كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في إختيارها لذلك يعتمد الحزب في أداء رسالته على الشعب ويسعى للإتصال به إتصالا وثيقا ويعمل على رفع مستواه العقلي والأخلاقي والإقتصادي والصحي لكي يستطيع الشعور بشخصيته وممارسة حقوقه في الحياة الفردية والقومية…)). كما جاء بالمادة 17 أن : ((حزب البعث العربي الإشتراكي يعمل على تعميم الروح الشعبية وجعلها حقيقة حية في الحياة الفردية ويسعى الى وضع دستور للدولة يكفل للمواطنين العرب المساواة المطلقة أمام القانون والتعبير بملء الحرية عن إرادتهم وإختيار ممثليهم إختيارا صادقا ويهيء لهم بذلك حياة حرة ضمن نطاق القوانين…)).

وهذه المبادئ العامة التي شكّلت نواة صلبة تكونت عبرها شبكة أفكار ومعتقدات الشهيد القائد هي نفسها التي بني عليها الصرح الإيديولوجي العظيم الذي خلّفه القائد المفكر من خلال التجربة والممارسة في التسيير والقيادة فكان الشعب العربي عموما وشعب العراق بصفة خاصة على رأس الأولويات في البرنامج القومي التقدمي الطموح الذي طرحه حزب البعث العربي الإشتراكي منذ ثورة 17/30 تموز 1968 ؛ وكان البحث عن تحقيق آمال وطموحات الجماهير الكادحة الشغل الشاغل لكل المناضلين البعثيين وفي مقدمتهم الشهيد القائد ورفاق دربه في مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للحزب وكافة الهياكل والمؤسسات والمنظمات الشعبية والجماهيرية.

وقد كانت كلمة السرّ في المنهج الديمقراطي الجديد هي حبّ الشعب والإحاطة به وتلبية إحتياجاته وهذا ما أكّد عليه الشهيد القائد في جلّ كتاباته إذ لم يفوّت فرصة أو مناسبة دون حثّ المناضلين على الإلتفات الى جماهير الشعب مصدر القوة الدائم والعناية بمطالبها والتفاني في خدمة مطامحها حتى وصل به الأمر الى إعتبار أن من لا يحبّ شعبه من البعثيين لا يحقّ له أن ينال شرف الإنتماء الى حزب البعث وفي هذا الإطار قال رحمه الله : ((أحبوا شعبكم تكونوا بعثيين والذي ينتسب الى حزب البعث ولا يحب شعبه بالممارسة اليومية فهو ليس بعثيا لأن مسألة حبّ الشعب هي أولا ثمّ حبّ الحزب… إن كل ثوري أصيل في العالم ومنهم البعثيون أحبوا شعوبهم أولا لذلك صاروا ثوريين كل منهم من موقعه وحسب وجهة نظره…)) –(2)-.

فحب الشعب إذن هو المصدر الأساسي لكل فكر وتوجه وممارسة ديمقراطية ولا يمكن لكائن من كان أن يدعي أنه ديمقراطي ومؤمن بالقيم الديمقراطية ما لم يضع مسألة حبّ الشعب نصب عينيه ولا يمكن لأي تنظيم أو حزب أو منظمة أن ترتقي الى مستوى صفة الجماهيرية والشعبية والنضالية ما لم تشكّل الجماهير الكادحة من عمال وفلاحين وطلبة ومثقفين ثوريين عمودها الفقري وقلبها النابض وشريانها الحي.

فالشعب والحالة تلك يجب أن يكون المنطلق والغاية في أية تجربة ديمقراطية ولأنه كذلك أولاه الشهيد القائد إهتمامه كله لأنه في البداية والنهاية إبن الشعب منه تعلم وبه إرتقى الى مرتبة القيادة بعد أن تمّ إحتضانه من طرف الجماهير الشعبية أيام النضال السرّي ضدّ نظام الإقليمية والرجعية والعمالة والتخلف ؛ ولقد أدرك الشهيد القائد رحمه الله منذ البداية أن الإهتمام بالشعب يمر حتما عبر الممارسة الديمقراطية التي لن تتحقق أهدافها وتتجسد آلياتها على أرض الواقع إلاّ من خلال النهوض بوعي وثقافة الجماهير والخروج من دائرة الأمية والتخلف والجهل ذلك أن إنتشار الأمية بين الجماهير من شأنه أن يعيق الممارسة الديمقراطية الأصلية والسليمة وستبقى تلك الممارسة سطحية وشكلية ومبتورة طالما لم تقترن بالتثقيف السياسي الذي يوفر للشعب حدا أدنى من الثقافة والتعليم والمعرفة الكفيلة بتحقيق نوع من الإدراك والتمييز والفهم للمسائل العامة والخطوط العريضة للقضايا السياسية ؛ ولهذا كان من الضروري حسبما جاء في المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الإشتراكي في مؤتمره القومي السادس : ((تصفية الأمية تصفية سريعة وتامة والعمل على تعليم المواطنين الأميين وأشباه الأميين لا القراءة والكتابة فحسب بل تمكينهم من إستيعاب حد معين من المعارف يتيح لهم ممارسة حقوقهم الديمقراطية بوعي…)).

وليس غريبا والحالة على ما سبق بيانه أن تمضي الثورة في العراق أشواطا متقدمة في سبيل إستئصال الأمية والجهل في المجتمع العراقي بإشراف مباشر من الشهيد القائد وتوجيه يومي مستمر ومتواصل ومتابعة حينية من خلال تأكيده على أن : ((العملية الديمقراطية في حركة وعمل محو الأمية مسألة ضرورية وأساسية إذ يجب أن نتجنب إنسحاب بعض الصيغ التربوية والسياسية العامة لمحو الأمية وأجهزتها وإلا أصبحت العملية مبتسرة وميكانيكية ولا يمكن أن تؤدي أغراضها السياسية والإجتماعية حتى عندما تحقق أغراضها المباشرة في تعلّم القراءة والكتابة…)) –(3).

إن هذا القول في حد ذاته يدلّ بدون شك على حرص من القائد الشهيد على تجاوز الهدف المباشر لمحو الأمية والمتمثل في تعليم القراءة والكتابة فقط الى هدف أسمى وأرقى وأجلّ وأهمّ يتجسد عمليا في تأهيل المواطن العربي للخوض في الممارسة السياسية والإجتماعية والمشاركة الواعية والفعالة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع ؛ وكنتيجة مباشرة للجهد الجبار الذي بذله القائد الشهيد ورفاق دربه في ذلك المجال تمكّن عراق البعث من الإحتفال بآخر أمّي في أرض الرافدين وهو الأمر الذي إستوجب إستحقاق العراق للجائزة الممنوحة له من طرف منظمة اليونسكو في حقل مكافحة الجهل والأمية وقبل ذلك وبعده إستحقاق شرف فسح المجال أمام تطبيق مقولة حكم الشعب بالشعب وللشعب التي وجهت ضربة قاصمة لمبدأ الوصاية على الشعب والتعالي على الجماهير الكادحة وإعتبارها مجرد قطيع تتحكم في مصيره قلة قليلة من الإنتهازيين والوصوليين وأصحاب النفوذ مستغلين حالة الجهل والأمية التي كانت متفشية أيام الحكم الملكي في عهد نوري السعيد والحكم الجمهوري في العهدين القاسمي والعارفي حيث كان المواطن محروما من المشاركة الفعالة والفعلية في الحياة العامة وكان عرضة لإستغلال حاجاته المادية وجهله وأميته السياسية والثقافية للسطو على إرادته في الإختيار الحرّ والواعي والمدرك.

ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للخطوة الجبارة التي وضع أسسها القائد الشهيد في سبيل النهوض بوعي وحرية المواطن العربي إنطلاقا من قناعة مترسخة لديه قوامها أنه ليس هناك أمة حرة دون مواطنين أحرار لأن حرية الأمة هي حتما من حرية مواطنيها وهذه الحرية هي الشرط الأساسي والجوهري لأية ممارسة ديمقراطية أصيلة وأصلية.

ولعلّ من أبرز معالم الحرية في فكر وممارسة القائد الشهيد هي إستنباطه لنظرية الممرّين في تعريف الديمقراطية تلك النظرية التي رصدت العلاقة بين الأدنى والأعلى ؛ بين لمواطن والمسؤول وبين القيادة والقاعدة فكلّ منهما مطالب بأن يؤمن بالممارسة الديمقراطية كنهج وقانون لا حياد عنه وفي هذا الإطار يقول القائد الشهيد رحمه الله : ((كلّ واحد منا عليه أن يتذكر بأن الممارسة الديمقراطية لا تأتي عن طريق ممر واحد وإنما يجب أن تكون بممرين الأدنى في علاقته مع الأعلى والأعلى في علاقته مع الأدنى أي يجب أن يؤمن الأعلى مثلما يؤمن الأدنى بالممارسة الديمقراطية ويطبقها لا لأغراض أو لظروف آنية وإنما بوصفها أحد القوانين الأساسية في الثورة ومبادئ الحزب..)) –(4)-.

فالمسؤول والقائد يجب أن يمثل القدوة والنموذج والمثال الخلاق للممارسة الديمقراطية وذلك من خلال النزول الى المواطن والإستماع الى همومه ومشاكله كما أن المواطن ملزم حسب توجيهات الثورة بتقويم المسؤول ومساعدته على القيام بمهامه وتوجيه الإنتقادات الموضوعية لعمل الإدارة والمؤسسة الحكومية والحزبية في إطار الإحترام المتبادل والإيمان المشترك بالقيم الديمقراطية ولقد أثبتت التجارب وأثبت التاريخ أن إستفادة القائد والمسؤول من آراء وتصورات الجماهير وبحثه المتواصل عن الوسائل الكفيلة بإسعاد المواطنين وتلبية إحتياجاتهم هي من أهمّ الأسباب المؤدية الى نجاح القيادة في تنفيذ مشارعيها التنموية والإجتماعية والإقتصادية وتطبيق خططها السياسية ؛ وهذا الفهم المتطور للمارسة الديمقراطية هو الذي سعى القائد الشهيد الى فرضه فرضا على المسؤول قبل المواطن والأعلى قبل الأدنى ومن يشغل خطّة قيادية في الدولة والمجتمع قبل الذي يشغل موقعا قاعديا ولذلك كان رحمه الله يؤكد دوما على هذا الجانب في العلاقات الديمقراطية المفترضة بين القيادة والقاعدة ويعتبره مفصليا في الحفاظ على المبادئ التي قامت من أجلها ثورة البعث في العراق لأنه في الواقع والحقيقة كان مقتنعا أشدّ ما يكون الإقتناع بأن التفاعل مع جماهير الشعب هو صمام الأمان لبقاء وإستمرار وتطور الثورة وأنه يمكن لقيادة الثورة نفسها أن تتلقى دروسا كثيرة من المواطنين وفي هذا المعنى يتنزل قول القائد الشهيد : ((قابلوا المواطنين الذين يتصلون بدوائركم وقابلوا الموظفين الذين يعملون في دوائركم وتفاعلوا معهم وفق سياقات وصيغ التفاعل الصحيح وستجدون أنكم تستفيدون منهم فائدة عظيمة… ففي الوقت الذي تعلّم الآخرين درس

المزيد


كيف نفهم البعث

فبراير 8th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

كيف نفهم البعث

احمد سعد

 البعثي لا يداهن

 البعثي لايساوم في المبادئ

 البعثي له ثوابت لايحيد عنها ومتى ما حاد عنها لفضه الحزب مهما كان موقعه

 ملاحظة: تمت كتابة هذه الخواطر وهي مجتزءة من رسالة وجهها كاتبها الى احد الاخوة الوطنيين قام مؤخرا بنشر دراسة وتساؤلات لا تنسجم وما اختطه لنفسه من مواقف نالت احترام كل من أحب ويحب العراق ويعمل في سبيل وحدة صفوفه لتتوج بانتصاره وتحريره من براثن المحتل. كما ان كتابتها جاءت قبل ما تم نشره للأستاذ الفاضل المناضل صلاح المختار مؤخرا تحت عنوان “لماذا تصاعدت الحملة على البعث” وماكتبه اخوة اخرون في نفس السياق, ولم اكن انوي التعقيب او نشر جزء من الرسالة ولكن يبدوا أن الأمور تسير باتجاه غريب علينا جميعا ان نتداركه وندعوا الى التروي والحكمة وعدم التسرع باطلاق الاحكام وجزاف الكلام.

فتح جيلي عينه وترعرع وهو جيل اواخر الاربعينات واوائل خمسينات القرن الماضي في فتره توسع وانتشار الافكار والطروحات الوطنية بمختلف مشاربها, جيل نشا وترعرع عقب نكبة فلسطين وما تركته من جرح عميق في ضمير وعقل كل وطني غيور, جيل ثورة تموز/يوليو في مصر وما اعقبه من عدوان ثلاثي امبريالي عليها لانها كانت الرد الاول على نتائج النكبة. جيل وحدة مصر وسوريا للرد على التامر الامبريالي, جيل ثورة تموز في العراق, جيل انتصار ثورة الجزائر البطلة, هذا الجيل الذي تربى على حب الوطن وعلى اصول التربية الوطنية الصحيحة وهو جيل التضحية والايثار وجيل المبادىء اي جيل حقبة الخمسينات واحداثها العظام.

هذا الجيل الذي ترعرع في العراق ولخصوصية مجتمعه وما يحويه من تنوع اثني وعرقي اختلفت مشاربه ومثالبه ولكن يجمع ويوحد الجميع حبهم للعراق. ترى في البيت الواحد والعائلة الاكبر او العشيرة والقبيلة فيها من يؤمن بالفكر الاشتراكي اليساري اي الشيوعي والديمقراطي او من يؤمن بالفكر القومي اي البعثي والناصري. انما الاختلاف حسب وجهة نظر كل منهم هو قناعته بأيّ من هذه الافكار والمعتقدات اصلح للعراق وهو ما يقتنع بانه يعبر عن حبه للوطن والاصلح للعراق.

كان انتماء شخص من هذا لجيل لحركة معينة على الاغلب لم يكن عفويا او بسبب تأثره بفكر شخص قريب له ويؤثر عليه على عكس الجيل الذي سبقه (الجيل الذي ترعرع ما بين الحربيين العالميتين 1920-1940 وخصائص هذا الجيل يحتاج لدراسة منفردة). والسبب كما تم ذكره سابقا ان العائلة الواحدة التي كان لها نصيب من التعلم والثقافة ترى فيها مختلف الاتجاهات السياسية يدخلون في نقاش كل يوضح وجهة نظره حول موضوع معين, هذا الجيل كان يراقب ويلاحظ ويستجمع وخصوصا في الفترة التي تلت ثورة تموز 1958. ولذلك فان الانتماء لحزب معين في اواسط الستينات اي ما بين ثورتي رمضان/شباط 1963 وتموز 1968 كان يأتي نتيجة لقراءة تاريخية وسياسية, مشاهدة ومعايشة للاحداث منذ عدوان 56 مرورا بوحدة مصر وسوريا وبثورة تموز1958 في العراق وما تلاها من تصادم بين القوى الوطنية وصولا لثورة رمضان عام 1963 وماتلاها من انشقاقات ونكسات وتفاعلات وتفاقمات, اي ان قرار الانتماء لم يكن سهلا بل صعبا ونتيجة لتفكير عميق ايهم اصلح للعراق وتلبية لطموحاته وطموحات الامه.

وعن تجربتي الشخصية رغم قناعتي بان كافة الحركات السياسية التي سبق ذكرها انما تسعى كل حسب منطلقها الى تحقيق ما تصبو اليه وهو مصلحة العراق والامة. غير ان اختيار البعث بالنسبة لشخصي كان نتيجة الوصول الى قناعة وايمان بانه الحركة الوحيدة القادرة والتي تستطيع فعلا تحقيق ما يختلج في نفسي من تطلعات وطنية في تحقيق اهداف الامة وما يتميز به هذا الحزب من عنفوان الشباب واهداف نبيلة سامية افتقرت اليها الحركات الاخرى رغم اهدافها الوطنية فهي اما احزاب ذات افكار لا تنبع من طبيعة مجتمعنا المحافظ وقد تكون غريبة عليه او تعاني من عدم وضوح افكارها كما هو حال الاتجاهين الناصري والوطني الديمقراطي. اي الخلاصة كان هناك حزبين في الساحة ذات توجهات واهداف محددة وتعتمدان الفكر المنهجي احدهما الحزب الشيوعي العراقي وفكره الماركسي الذي اعتقدت بعدم ملائمته لمجتمعنا العربي الاسلامي المحافظ, وحزب البعث الذي حدد اهدافه وافكاره من ماينبع من المجتمع العربي الاسلامي بغض النظر عن من اسس الحزب ووضع افكاره السامية ومن امن بها كقيادات وقواعد جاءت لتطبيق اهدافه في القطر العراقي عبر ثورتي شباط 1963 وما تلاها من ممارسات كرد فعل على ممارسات الفترة التي سبقت ثورة شباط/رمضان (اي الفترة التي عقبت ثورة تموز 1958) وثورة تموز 1968 والتي جاءت باهداف وطنية واضحة وقيادة شابة تسعى لتطبيق ما تؤمن به عبر منهاج وطني ثوري منذ يومها الاول لبناء العراق الحديث بالتصدي لكافة بؤرالفساد والتجسس واوكار الخيانه التي تعرقل مسيرة الوطن والامة وما تبعها من خطوات على توحيد الصف الوطني الذي ابتدأ بعد تصفية اوكار الجواسيس والعملاء بالقضاء اولا على الامية كهدف اساسي لكي ينهض الشعب ويتسلح بالمعرفة لكي يختار طريقه الصحيح (لتطبيق برامج التغير الثوري الديمقراطي وبصورة صحيحة يجب ان يكون لديك شعب واع ومثقف غير امي وجاهل والا ان اي خطوة تخطوها لن تكون مجدية ما لم تكن قاعدتك مؤمنة ومحصنة بالعلم وتتفهم ما انت سائر عليه و

المزيد


العروبة والإسلام في منظور حزب البعث العربي الاشتراكي

فبراير 8th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

العروبة والإسلام

في منظور حزب البعث العربي الاشتراكي

حسين السيد أحمد

السودان

 دراسـة

 

 

لقد سبق للمفكر الفرنسي ( أندره مالرو Andee Malraux ) أن تنبأ بأن القرن الواحد والعشرين ، سوف يشهد يقظة روحية ، ودوراً متعاظماً جديداً للديانات .

ولكننا لم نكن بحاجة الى إنتظار القرن الواحد والعشرين ، فقد شهدنا في السنوات الأخيرة كلاماً متزايداً ومتصاعداً ، ومواقف جريئة وثورية ، تعلن عن نفسها تحت راية الإسلام .

أو من خلال الكنيسة ، في القارات التي تنبعث من جديد ، بعد عهود طويلة من القهر والبؤس والتخلف ، كقارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية .

إن خصوصية التطور الاجتماعي ، والنضال من أجل الحرية ومن أجل الانبعاث الحضاري ، تتجلى في بلدان هذه القارات ، في صورة مواجهة عنيفة وقاسية للتناقضات الكثيرة والمتشابكة في الداخل ، وللمؤامرات الكثيرة من الخارج ، لذلك فإن حركات النهضة والثورة فيها ، تتعرض من داخلها لعمليات تشويه وتزييف كبرى .

فباسم الأهداف الكبيرة ترتكب جرائم بحق تلك الأهداف ، لذلك فإن الصحوات الروحية الرائعة عند شعوب العالم الثالث بوجه عام ، تبقى مهددة ، بسبب التخلف والتآمر معاً ، بأن تختنق وبأن تصاب بأمراض التعصب والحقد والعقد التاريخية ..

وأحياناً بالمفارقات الكبرى ، فقد رأينا نظماً سياسية ، وحركات ، وثورات ، تعلن الجهاد في سبيل الله ، وتقدم نفسها كحامية للإسلام ، ومدافعة عنه ، وعاملة على نشر رايته .

ولكن لأن معظمها غارق في السياسة ، فقد تعددت مواقفها واختلفت ، واتخذت كل منها الإسلام صورة له .

أي صورة للواقع المتخلف الموروث الذي يتوزع فيه المسلمون الى طوائف ، بدلاً من أن تسعى لتبديل صورة الواقع تبديلاً يبعث فيه الروح الأصلية في الإسلام : روح المحبة ، والتسامح ، والثورة الديمقراطية والاجتماعية ، والوحدة ، والحوار الحضاري البناء مع العالم أجمع .

لقد أدرك حزب البعث العربي الاشتراكي منذ أوائل الاربعينات ، وفي وقت كانت فيها التيارات الفكرية ، اليسارية واليمينية معاً تتجاهل أهمية الظاهرة القومية في بلدان القارات الناهضة من جديد .

إن الانبعاث الروحي لتلك البلدان لا يمكن أن يتم إلا عبر وعيّ لعدة شروط أساسية أهمها :

‌أ. أننا في هذا العصر ، نعيش عصر الثورات النسبية ذات الطابع العلمي الحضاري .

‌ب. أن الثورات المطلقة التي كان يقودها الأنبياء في الماضي ، والتي كانت ثورات ذات طابع ديني إلهي غالب ، يمكن أن تستلهم في هذا العصر ، ولكن لا يمكن أن يدعيّ إنسان أو نظام ، بأنه يستطيع أن يقوم بها ، إلا إذا كان نبياً أو امتلك سلطة إلهية إطلاقية .

‌ج. إن الانبعاث الروحي في هذا العصر لا يأخذ شكله الأصيل إلا في ظل انبعاث شامل للمجتمع . أي انبعاث قومي واجتماعي وثقافي . وكذلك في ظل روح عصرنا ، التي تقوم في الأساس على فكرة الحرية ، وحقوق الإنسان ، وحق الشعوب في التطور والتحرر وتقرير المصير .

 

وحتى لا نقع في خطأ منطقي شائع ، فنسترسل في الحديث عن العروبة والإسلام ، من دون تحديد لهما ، فإننا نسارع الى القول بأن:

( العروبة ) تعني بشكل أساسي الانتساب الى ثقافة ، والى نضال ، ينطلقان اليوم ، من فكرة ( الوحدة العربية ) ، ويؤكدان الانتساب الى شعب كان له في الماضي تاريخ مجيد وهو يعيش اليوم تناقضات التجزئة والتخلف والاحتلال الأجنبي ، كما أنه يتطلع من خلال نظرته الحديثة الى مستقبل حضاري إنساني جديد .

و( الإسلام ) يعني ( ديناً سماوياً قام على التوحيد ، وحقق ثورة في حياة العرب في الماضي ، وحضارة عالمية إنسانية كبرى ، وهو بالإضافة الى كونه عقيدة دينية روحية ، يمتلك ميزة الشريعة التي تنظم شؤون البشر وفق أحكام السماء ) .

وقد كانت للبعث نظرته المتميزة الى علاقة ( العروبة والإسلام ) ، هذا الموضوع الذي تعددت فيه النظرات ، كما تعددت الدراسات .

لذلك فإنه هذه المساهمة تنحصر في الإشارة الى الاتجاهات الرئيسية في تلك الكتابات ، ثم بالتوقف عند منظور حزب البعث العربي الاشتراكي ، وأخيراً في استخلاص النتائج والمؤشرات التي تفتح آفاقاً نحو المستقبل .

لعلكم تذكرون كيف دخل ( نابليون بونابرت ) مصر عام 1798 ، حاملاً لوحات كتبت فيها آيات القرآن الكريم الى جانب حقوق الإنسان ، كرمز لإلتقاء التراث العربي بالحضارة الأوربية ..

منذ ذلك الحين ، بدأت الأنظار تتجه الى حقيقة جديدة في النهضة العربية الحديثة ، عبرت عن نفسها من خلال تتابع أجيال من المفكرين ، وفي حركات الإصلاح الديني ، التي بدأت مع الحركة الوهابية (1744-181 فكان مفهوم ( بعث الإسلام ) و ( بعث العروبة ) متكاملين لدى الرواد الأوائل لتلك النهضة .

( فجمال الدين الأفغاني ) (1) ، يعتبر ( لغة الإسلام ) وهي ( اللغة العربية ) المعيار الأول ، ويتحدث عن ضرورة ( تعريب الترك ) كرد فعل على سياسة ( تتريك العرب ) في الدولة العثمانية ، لكي تصبح الأمتين أمة واحدة ويزول التعصب القومي تحت راية ( القرآن ) .

وفي مطلع القرن العشرين ، كان تلامذة ( الشيخ محمد عبدو ) و ( عبدالرحمن الكواكبي ) ، يربطون اليقظة الإسلامية بدور قيادي للأمة العربية .

وكذلك ( ابن باديس ) الذي كان يعتبر النبي محمد ، رسولاً للإنسانية ، ورجل الأمة العربية في آن واحد .

وحتى في مطلع الثلاثينات ، نلاحظ ( حسن البنا ) مرشد الأخوان المسلمين في مصر ، يعتبر الطريق للوحدة الإسلامية هو الطريق الى الوحدة العربية ، وهو لا يجد تعارضاً بين ( الدائرة الإسلامية والعربية والوطنية والإسلامية ) .

ولكننا نلاحظ منذ الثلاثينات وجود تيارات متعارضة في طريقة فهمها للعروبة والإسلام لأن بعض هذه التيارات قد استسلم بسهولة للنظريات التي كانت تطرح نفسها بقوة من خارج سياق النهضة العربية ، فالفاشية ، والماركسية ، والنزعات الاشتراكية والليبرالية والعلمانية ، قد وجدت طريقها الى تلك التيارات بكل ما تحمله من مفاهيم عن القومية والدين والعلاقة بينهما . كما أن التيار السلفي قد تذرع برد الفعل على تلك المفاهيم والنظريات ، واكتفى بالعودة الى الماضي وبالاستسلام لمفاهيمه التي تكونت بدورها خارج اطار المرحلة الراهنة .

وعلى هذا الأساس ، نستطيع أن نميز ثلاثة اتجاهات رئيسية في المرحلة التي سبقت نشوء البعث وهي :

أ. ( الاتجاه الديني ) الذي كان يركز على الطابع العالمي للإسلام ( L’universalisme ) وعلى ( الفكرة الإسلامية ) أي الايديولوجية الدينية ، التي تعتبر تعاليم الإسلام تغني عن أية أيديولوجية أخرى .

فشريعته هي شريعة السماء ، وهي صالحة لكل زمان ومكان ، وهي تغني عن الشرائع الوضعية التي هي من صنع البشر ، والإسلام دين ودولة والفكرة الإسلامية موجهة للناس أجمعين .

لذلك فإن القومية تتعارض مع الطابع العالمي للإسلام .

وقد تطور هذا ( الاتجاه الديني ) تطوراً متزايداً ، نحو مواقف أكثر سلبية من العروبة ، وباتجاه الفصل بينهما ، كما أن هذا التطور سار في طريق توظيف متزايد للمفاهيم الإسلامية توظيفاً سياسياً ، ونحو تأثر أكثر وضوحاً بتيارات فكرية إسلامية خارج الوطن العربي . كأفكار المفكر الإسلامي الهندي ( المودودي ) ، وكالخمينية في إيران ، التي كان تأثيرها السياسي أقوى من تأثيرها الديني ..

فقد انعشت التيارات الدينية ، إلا أنها طرحت أمامها نموذجاً للحكم الإسلامي ، لم تتوفر فيه عناصر التعبير عن الصورة المشرقة للإسلام .

لذلك فإن حصيلة تأثير الموجه الخمينية قد انحصر في دفع التيارات الإسلامية في الوطن العربي باتجاه المزيد من العنف ، وباتجاه المزيد من معاداة الاتجاهات التقدمية ، والابتعاد عن العروبة ، والانتقاص من أهمية البعد التاريخي لعلاقة العروبة بالإسلام ، الذي يرجع الى عام 610 م عندما بدأ الرسول دعوته داخل المجتمع العربي ، وأطل على الإنسانية من خلال نضال كانت أدواته ولغته ومحيطه ، عربية ، وكانت فيه فكرة التوحيد الإلهية مقترنة بتوحيده للمجتمع العربي .

كما كانت فكرة الإله الواحد طريقاً لتوحيد الأمة بالإنسانية ..

وقد ذهبت الدوافع ( الشعوبية ) أي المعادية للعرب الى حد إنكار ذلك كله وتصوير المرحلة العربية السابقة للإسلام بأنها مرحلة ( جاهلية ) أي مرحلة ضياع تام ، وعماء ( Cahos ) مطلق وإنها لم تكن تجمع سوى الجهل والضلال والكفر .

وأن الإله قد اختار الجزيرة العربية ومجتمعها ، لحكمة إلهية ، ولتحقيق معجزة تفوق تصور البشر .

وقد تأثرت الكتابات ذات الطابع الديني الخالص بهذا المنطق الذي لا يقيم وزناً للتحليل الاجتماعي والتحليل التاريخي .

لذلك لم تهتم بدراسة المرحلة السابقة وتناقضاتها ، وكيف قدم الإسلام لتلك التناقضات حلولها . ولا بالعلاقة التي تربط النبي بمجتمعه ، وبمعاناة شعبه ..

ولذلك أيضاً لم تتمكن التيارات المختلفة للاتجاه الديني أن تعترف أو أن تكتشف عناصر إيجابية في المرحلة الممهدة للإسلام ، لأنها كانت تنطلق من نظرة لاهوتية ظلت تحاول جاهدة أن تدعمها بتفسيرات ذات مظهر علمي أحياناً ..

ولكنها شأن كل فكرة ( سابقة للتجربة ) ، وقناعة متبلورة خارج اطار البحث الموضوعي ، لم تتمكن من رؤية المسار التاريخي والحضاري للعروبة والإسلام واكتفت بأن تطلق أحكاماً مطلقة وغير موضوعية ، وبخاصة في حق العروبة ، والعلاقة بين العروبة والإسلام .

‌ب. أما الاتجاه الثاني الذي نتبين جذوره في المرحلة السابقة لنشوء البعث .

فهو ( التيار القومي ) المتعصب للقومية كرد فعل على محاولات الانتقاص منها والتقليل من شأنها . وقد أخذ طابع الدفاع عن العروبة وعن دور العرب في نصرة رسالة الإسلام والنهوض بأعباء الجهاد من أجل انتصارها وتبليغها للأمم الأخرى .

ولهذا الاتجاه القومي بعد تاريخي يصعد الى القرن التاسع الميلادي عندما قام أدباء ومفكرون أمثال الجاحظ بالتصدي للحركة الشعوبية في العهد العباسي .

بيد أن الاتجاه القومي في الثلاثينات من القرن العشرين ، قد تأثرت بالنزعات العرقية التي برزت في الأيديولوجية القوية في أوربا ، وبخاصة الحركة النازية .

لذلك انصب اهتمام الاتجاه القومي العربي على إبراز أهمية البعد القومي للإسلام ، سواء من حيث لغة القرآن أو كون النبي محمد عربياً أو كون الجيل الأول للإسلام هو جيل عربي وكون المجتمع الذي ولد فيه الإسلام هو أيضاً مجتمع عربي ، وأن المعارك الأولى للإسلام هي داخل هذا المجتمع العربي والانتصارات الأولى هي انتصارات العرب على أنفسهم حتى استطاعوا أن يقوموا بنشر رسالة الإسلام في العالم .

وأن الإسلام لا يمكن أن يفهم من الداخل فهماً عميقاً إلا من خلال هذه الوحدة بين العروبة والإسلام . فالمطالبة بينهما تكاد تكون أساس نظرة الاتجاه القومي الى العلاقة بين العروبة كقومية وبين الإسلام كدين .

على أن بعض تيارات هذا الاتجاه القومي ، كانت قد ذهبت من جهة أخرى نحو المبالغة في التركيز على العامل القومي ، الى درجة اعتبر معها الأستاذ ( زكي الارسوزي ) المرحلة التي سبقت ظهور الإسلام بمثابة العصر الذهبي للعروبة .

وذلك على النقيض مما كان يطلق عليها التيار الديني اسم ( الجاهلية ) .

فقد أبرز التيار القومي بعض الحقائق الإيجابية لهذه المرحلة ، من حيث تألق الشعر ، وبلوغ اللغة العربية قمة نضجها في التعبير عن عبقرية الأمة ، ومن حيث الفضائل الخلقية التي اتسمت بها حياة العرب ، والنزعة الفنية ، وتطور الظاهرة الروحية بعد انتشار الديانتين السماويتين ، اليهودية والمسيحية في الجزيرة العربية ، والتعبير المبكر عن تطلع الشعب العربي الى الوحدة بقيام التحالفات الكبرى بين القبائل ، والتي قام على رأسها ملك العرب منذ عام 328 ميلادية أي قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون .

كما أن الاتجاه القومي يبرز أيضاً ما كان في مجتمع المركز أي مكة ، من ازدهار اقتصادي وتجاري قبيل الإسلام ومن اتصال حركة القوافل التجارية بالحضارات المجاورة آنذاك .

وكذلك من قيام حكومة في مكة ومجلس للشورى ومن تلاحم بين الابعاد الاقتصادية والثقافية والدينية ، في مواسم الحج وأسواقه التي كانت تقام حول البيت الحرام قبل مجيء الإسلام .

فالدين في مفهوم هذا الاتجاه القومي الخالص لم يكن سوى تعبير مضاف عن عبقرية الأمة العربية التي كان مجتمعها مهيأ دوماً لظهور الديانات السماوية المتعاقبة ، ولحمل رسالتها الإنسانية . فالظاهرة الروحية بهذا المعنى ليست سوى جزء من محتوى الظاهرة القومية العربية . وهو الجزء المعبر عن إنسانيتها .

‌ج. بالإضافة للإتجاهين ، الديني والقومي ، شهدت المرحلة كتابات تأثرت بالفكر الماركسي ، ركزت على البعد الاجتماعي على حساب البعدين ، الديني والقومي .

واكتفت بالكشف عن التناقضات الاجتماعية في المرحلة السابقة لظهور الإسلام ثم خلال انتشاره ، وعبر مراحل تطور الدولة العربية فيما بعد .

فالى جانب الصراع بين القبائل ، اهتمت الدراسات الاجتماعية بابراز البعد الطبقي لهذا الصراع ، سواء بين القبائل الغنية – كقبيلة قريش – والقبائل الأخرى .

أو فيما بين البطون العشرة التي كانت تتألف منها ، حيث كان رؤساؤها ( ا

المزيد


فلسفة الحركة القومية العربية .. الأصالة والتحجّر

فبراير 8th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

فلسفة الحركة القومية العربية

الأصالة والتحجّر

الدكتور منيف الرزاز

طريق العالم الثالث طريق متميّز

في بحث فلسفة العالم الثالث والوطن العربي جزء من هذا العالم لا بد لنا بادئ ذي بدء أن نحاول الإجابة على سؤالين يطرحان نفسيهما بإستمرار عند بحث هذا الموضوع . أولهما : هل ثمة فلسفة خاصة بالعالم الثالث ؟ وثانيهما: هل هذه الفلسفة إذا كانت موجودة تستمد أصولها من التراث أم تستمد هذه الأصول من الفكر المعاصر؟؟

ولعلّ هذين السؤالين لا يطرحان نفسيهما بقدر ما يطرحهما مفكرون لا يبصرون غير ما يريدون هم أن يبصروا ؛ يستسهلون الطريق الى مواقفهم المسبقة فلا يجهدون أنفسهم في تبين مواقع أقدامهم ويستريحون الى أن يسلكوا طرقا عبدها غيرهم في أمكنة وأزمنة وظروف غير مكانهم وزمانهم وظرفهم . يستوي في ذلك ما يمكن أن نسميه المجدد التقليدي والرجعي التقليدي . فالأول لا يريد أن يرى في تراثه ما يغنيه وما يؤكد ذاته وإنما يرى في هذا التراث عبء التقليد ولا يرى في حاضره ما يميزه فيحاول أن يلغي كل مميزات واقعه الحقيقي من أجل أن يجرده تجريدا كليا يمكنه من أن يجعل هذا الواقع المجرد منطبقا على واقع آخر مختلف عنه في المكان والزمان والظرف الموضوعي . أما الثاني فقد إستراح الى تراث غني يتشبث به رافضا كل رافد من روافد التجديد الحضاري المعاصر ورافضا بالتالي كل ما أغنى هذا التراث في عصره وجعل منه ذلك التراث الغني المجيد وهو الإنفتاح الذهني والعقلي على تراث العالم كله وفكر العالم كله وفلسفة العالم كله وعلم العالم كله ؛ فهو ليس ضد الإنفتاح الجديد فحسب بل ضد الإنفتاح مبدأ ومنهجا ومع الإنغلاق والتقوقع مبدأ ومنهجا .

والواقع أن هذين السؤالين لا يجوز أن يطرحا نفسيهما بجد ؛ فما نسميه بالعالم الثالث لم يكن  ليسمى بهذا الإسم أصلا لو لم يكن يتميز بميزات خاصة به تتلخص بأنه عالم متخلف وبأنه عالم كان تحت وطأة الإستعمار وناضل ضده وما يزال يكافح آخر مراحله .

هل هذه الميزات تجعله في وضع خاص وظرف خاص وتناقض خاص وصراع خاص أم أن هذه الخصائص خصائص عابرة غير ذات قيمة وأن في الإمكان حذفها من تاريخ العالم الثالث وحقيقة مشكلاته ويظلّ مع ذلك ما هو ؟؟؟ ذلك هو التساؤل الذي يحدد الجواب السليم والصادق لهذه المشكلة ؛ والجواب على هذا التساؤل واضح وهو ليس واضحا في حساب المنطق الأرسطي فحسب وإنما يصبح أكثر وضوحا في حساب المنطق التاريخي الديالكتيكي . فتاريخ الشرق كله خلال القرون الماضية هو تاريخ صراعه مع الإستعمار متضمنا في ذلك الصراع صراعه مع نفسه ضد التخلف الذي يطيل عمر الإستعمار وهو ما يزال يخوض هذين الصراعين بقوة وشدة ضد أعتى قوى التاريخ وأغنى قوى العالم أفيبقى منه ومن تاريخه بل ومن ذاته شيء إذا نحن نزعنا عنه هاتين الخاصيتين اللتين طبعتا تاريخه الحديث وما تزالان تطبعان تاريخه المعاصر وأهم قضاياه التي يعيشها ؟؟؟

ثمة طبعا من ينكر أو من كان بالأحرى ينكر حقيقة وجود العالم الثالث والغريب أن العالم الرأسمالي والعالم الإشتراكي كليهما قد إلتقيا في هذا الإنكار في مرحلة من مراحل التاريخ القريب بعيد الحرب العالمية الثانية . فالعالم الرأسمالي ألحقه بنفسه مطلقا على العالمين  إسم ” العالم الحرّ ” وكان ذلك من حقه يوم كانت الأنظمة المسيطرة  في هذا العالم أنظمة بورجوازية تابعة بطبيعتها للعالم الرأسمالي ويوم كان إستقلالها السياسي غير مغن لها عن تبعيتها لعالم النظام الرأسمالي . أما العالم الإشتراكي فكان على الأقل أبعد نظرا حين كان يرى أن طبيعة القوى الفاعلة في مجتمعات هذا العالم الثالث المتصاعدة من مستوى النضال السياسي الإستقلالي المحض الى مستوى النضال التحرري الإقتصادي والإجتماعي هي التي تعطيه طابعه الحقيقي الأصيل لا الأنظمة المسيطرة عليه لفترة ما . لذلك فهو عالم ” حائر ” عالم ما زال يعيش في ظل أنظمة بورجوازية تابعة ولكنه ما يفتأ يفتش عن طريقه الى أن يكون عالما إشتراكيا .

ولعلنا لا ننكر شيئا من حقائق  هذا التحليل ولكننا ننكر وبشدة أن يلغي نضاله من أجل الإشتراكية حقيقة وجوده الذاتي وحقيقة تميزه التاريخي ؛ ونؤكد كما سنبين في الفصول التالية ولا سيما في الجزء الثاني أن نضاله هذا لا يسير في نفس الخط الذي سارت فيه نضالات أمم أخرى للوصول الى نفس الهدف ؛ وإنما هو منطلق في خط ذاتي  مختلف ولكن غير متناقض عن خطوط أخرى سارت فيها أمم أخرى في ظروف أخرى لتحقيق المجتمع الإشتراكي ؛ إن وحدة الهدف من حيث الوصول للإشتراكية لا تعني إلغاء التمايز الأصيل والعميق بين منطلقات العالمين الإشتراكي والثالث فالعالم الثالث وحده هو الذي رزح تحت نير الإستعمار وناضل ضده ؛ والعالم الثالث وحده  هو الذي إرتبط بقاء تخلفه ببقاء الإستعمار ؛ ذلك هو ما يطبع تاريخه وما يطبع بالتالي فكره وعقيدته وفلسفته .

ومن هنا يبدو لنا بوضوح أننا إذا أردنا  أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع واقعنا فإنه لا بد لنا أن ننطلق من تاريخنا ومن مشكلاتنا ومن معاناتنا التي لا  يشارك العالم الثالث فيها في العالم كله مشارك . لنستخلص فكرنا وعقيدتنا وفلسفتنا من أجل أن تكون دليل عملنا ومنهج نضالنا في الحاضر والمستقبل ولن نستخلص هذا الفكر والعقيدة والفلسفة إستخلاصا منطقيا أرسطيا بل إستخلاصا تاريخيا لأن هذا الإستخلاص التاريخي هو الوحيد  الذي يعتد به في أي حكم تاريخي وبالتالي في أي فكر سياسي .

حتمية الإرتباط بالفكر الحديث :

فإذا إنتهينا من ذلك كان علينا أن نؤكد حقيقة أخرى لا بدّ من التوكيد عليها تلك هي أننا حين نقول بحتمية أن يكون للعالم الثالث فكره وعقيدته وفلسفته فنحن لا نقول البتة أن على هذا العالم أن يغض الطرف عن كل ما أتت به الفلسفات السياسية في الغرب أو في الشرق وأن يبدأ من ألف باء الفكر . على العكس من ذلك فإن كل فلسفة طامحة الى النفاذ الى أعماق المشاكل التي نعيشها لا يمكن أن تدير ظهرها للتراث الضخم  من الفكر الإنساني الذي خلفته لنا الإنسانية لا سيما في القرنين الأخيرين إلاّ إذا أرادت أن تدير ظهرها  لكل ما خلفه الإنسان من تراث في كل الميادين منذ بدء الحضارة الإنسانية حتى اليوم .

إن الذي يدير ظهره للتراث الإنساني  بدعوى أنه مستورد أو بدعوى أنه لا يمت  الى مشاكلنا بصلة أو بدعوى أن لنا من تراثنا ما يكفينا  فمثله كمثل الذي لا يريد أن يعترف بالأبجدية التي إخترعها الفينيقيون وبكل ما تبعها من علوم ومعارف ليبدأ علمه الإنساني  من الصفر . نحن لسنا في حل فقط من أن نسترشف من هذا المعين الضخم الثر من التراث الإنساني  بل إن ذلك لمن واجبنا  الذي لا ترخص فيه .

وعلى رغم أن هذا الأمر لا يجوز أن يمارى فيه فإن ثمة حقيقتين أخريين تدفعاننا الى الإغتراف من الفكر الحديث أولى هاتين الحقيقتين أن مشاكلنا الأساسية حين نضعها في محورها التاريخي إنما هي نتائج وردود فعل لوضع سياسي وإقتصادي وإجتماعي قائم في عالم غير العالم الثالث  هو العالم الغربي الرأسمالي وبالتالي فإن ما نسميه ” مشاكل خاصة ” بالعالم الثالث  ليست في حقيقتها نابعة من تطوره الذاتي المحض بقدر ما هي نتائج علاقات إستعمارية طويلة مع دول الغرب المتقدمة . والحركات القومية والإشتراكية التي نشهدها في العالم الثالث إنما هي ردود فعل لهذا الإستعمار الذي تعرض له كما أنها ردود فعل لوضع التخلف المرتبط مع الإستعمار والمعتمد عليه في بقائه أو تطوره أو الوعي عليه أو الصراع معه أو الإنتصار عليه فالحركات القومية في العالم الثالث لم تنشأ من تطور ذاتي منعزل وإنما ولدت نتيجة صراع الشعوب مع الإستعمار وكانت من أجل ذلك وحيثما وجدت في هذا العالم مناهضة للإستعمار ولم يكن الإستعمار مجرد عملية غزو ونهب وسلب وإستيلاء أعمى كما كانت غزوات المغول في بعض تاريخهم بل كان إفرازا لحضارة معينة ونظام إجتماعي وإقتصادي معين معبر عنها جميعا بفكر وفلسفة معينة لا مندوحة من فهمها والتبصر بها من أجل فهم مشاكلنا ومعالجتها .

إن فهمنا السليم لمشاكل العالم الثالث  بحكم كونها ردا على تحدي الإستعمار الذي هو وجه الحضارة الغربية المطل على الشرق وبحكم كونها نقضا لما وراء الإستعمار من فكر تسلطي ونظام إستغلالي لا بد أن يكون مرتبطا بخصائص هذا التحدي حتى في نقضه له . وهذا الإرتباط الت

المزيد


الثورة والعقيدة

فبراير 6th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

الثورة والعقيدة

الدكتور منيف الرزاز

 

المسألة التي سنتناولها هنا عمّا إذا كانت الثورة أية ثورة والثورة الفلسطينية بشكل خاص في حاجة الى نظرية ولعل طرح هذا السؤال غريب في ذاته لولا أن هناك فعلا من يقول وبشدة  وحزم إن الثورة الفلسطينية ليست في حاجة الى نظرية ولم تكن في حاجة الى نظرية .

لأننا كما يقولون تعبنا من  كثرة النظريات التي خضنا فيها خلال السنوات العشرين الماضية وأنه لم يبق أمامنا أن نزيد في هذا القول فإننا لن نصل الى نتيجة ؛ ويقولون أيضا بأن عملية تحرير فلسطين هي عملية تحرير أرض وتحرير الأرض لا يحتاج الى نظرية وأن النظرية المقبولة هي النظرية النابعة من فوهة البندقية .

وفي واقع الأمر إن في هذه الحجج كثيرا من مجانبة الحقيقة خلال السنوات  الماضية التي سبقت عام 1967 بشكل خاص ومحدد لم يتعب الشعب العربي من كثرة النظريات بقدر ما تعب من كبت النظريات وإضطهادها ومحاولة قوقعتها ومنع إنتشارها ومنعها من أخذ الهواء الطلق والنفس العميق لم يتح أبدا أن تتنفس أن تتطور وأن تصل الى عقول الناس ؛ إن الشعب العربي في تلك المرحلة لم يتعب من كثرة النظريات وإنما تعب من كثرة التآمر على النظريات تعب من إنشغال النظريات في مجرد محاولة الإبقاء على الوجود وبإنهماكها في هذا الإبقاء على الوجود إنصرف الشعب عن واجبات كثيرة كان  يجب أن يقوم بها  لو كان أتيح له الجو المناسب لذلك .

المرحلة الماضية لا يمكن أن نسميها مرحلة نظريات  المرحلة الماضية يمكن أن نسميها  مرحلة اللانظرية اللاحزبية اللاجماهيرية مرحلة الكبت الجماهيري مرحلة  قوقعة الجماهير في القواقع التي أرادتها لها الأنظمة المتخلفة في الأقطار العربية إذن الحجة الأولى في الواقع نحن لم نتعب من النظريات نحن لم نعاني النظرية لم نعشها لم نعطها النفس الكافي الأكسيجين الكافي لتكون فعلا نظرية تثبت قدرتها على البقاء وجدارتها في الفعل .

إذا جئنا للحجة الثانية فهل صحيح أن تحرير الأرض لا يحتاج الى نظرية ؟؟؟ صحيح أن تحرير الأرض لا يحتاج الى نظرية لو كانت المعركة معركة جغرافية فحسب معركة بين الهند والباكستان على قرية هنا  أو قرية هناك يمكن أن تمر بدون نظرية لو كان الخلاف خلافا على قطعة أرض يمكن أن تمر بدون نظرية لو كان نزاعا مع إسرائيل نزاعا على أن تلتحق طول كرم بالأردن لما إحتاج الأمر فعلا الى نظرية  ؛ المعركة الجغرافية وحدها هي التي تكون بلا نظرية لأن طبيعة المعركة الجغرافية أنها تقبل بأساس الوجود لطرفي المعركة هناك خلافات تحل ولكن أساس  الوجود غير مطروح في المعركة الجغرافية ولذلك يمكن أن نقول في هذه الحالة إنه بالإمكان تجاوز النظرية وتجاوز العقيدة وأن تكون هناك معركة مسلحة بسيطة هي التي تقرر أن تبدأ هذه القرية أو أين تقف الحدود أو أين ينتهي النزاع .

ولكن هل النزاع بين العرب وإسرائيل هو من طبيعة هذه المعركة الجغرافية ؟؟؟ هل طبيعة هذه المعركة على أساس الإعتراف بالوجود المتبادل وكل ما في الأمر هو أن هناك خلافا يقوم على تحديد الحدود التي تقوم بين الدول العربية وإسرائيل ؟؟؟؟

أليس من الواجب في معركة كمثل التي تدور بين الشعب العربي وبين الصهيونية أن نقرر أنها معركة تدور على أرض فلسطين ولكنها ليست معركة جغرافية تقتصر على أرض فلسطين لأنها في الواقع معركة تاريخية معركة لها جذور في التاريخ  فيقرر مصير إما الصهيونية كحركة إستعمارية ومصير إستعمار من جهة وإما أن يقرر مصير معركة التحرر العربي ومعركة التحرير العالمي ضد الإستعمار والإمبريالية من جهة أخرى .

إنها في شكلها تأخذ الشكل الجغرافي ولكنها في حقيقتها معركة مصيرية وبالتالي معركة تاريخية وأول ما يقتضيه الإعتراف بأنها معركة تاريخية هو أن  نعين بين من ومن تدو المعركة في تحرير الأرض شكل المعركة وشكل تحرير الأرض . أليس من الواجب أول واجب أن نعين ماهية العدو من جهة ؛ أليس من الواجب أيضا  أن نعين ماهية الثورة والثوار من جهة أخرى ؛ أولسنا  حين ننطلق في تعيين ماهية العدو  وماهية الثورة والثوار نبحث في الواقع في نظرية الثورة ؟؟؟ من هو العدوّ ؟؟؟ هل العدو أولائك اليهود القاطنين في فلسطين فعلا ؟؟ هل العدو مجرد شعب مشرد يطالب بأرض ؟؟ هل هؤلاء اليهود الموجودين في فلسطين يعيشون في مجتمع طبيعي  ولدوا وخلقوا فيه وكل ما في الأمر أن بيننا وبينهم نزاع على حق العيش في تلك الأرض ؟؟؟ هل لهم حق طبيعي للأرض كما للأكراد حقوقهم القومية مثلا أم هو مجتمع مصطنع مفروض وبالتالي يقتضي حلولا أخرى تختلف عن الحلول التي توضع من مجتمعات ذات الطبيعة المتصلة بالأرض والتاريخ  ؟؟؟؟  هل هؤلاء اليهود  لاجئون هاربون من الإضطهاد ليس لهم مكان يعيشون فيه في أنحاء العالم فنفتح لهم صدورنا ونقبلهم بيننا اليوم وقبل اليوم كثيرا من اللاجئين وبيننا نحن اليوم يعيش الأرمن أو لاجئون من إضطهاد عانوه سابقا  وبيننا  الشركس الذين لجأوا أيضا من إضطهاد عاشوا فيه سابقا ففتحت لهم قلوبنا وما زالت وأصبح وطننا  وطنهم وحقوقنا حقوقهم وواجباتنا واجباتهم ؟؟؟ ما هو الفرق بين الصهيونية واليهودية ؟؟؟ ما هي الصلة بين الصهيونية والإمبريالية ؟؟؟ هل يمكن أن نقاوم الصهيونية دون أن نقاوم معها الإستعمار والإمبريالية ؟؟؟ هل يمكن أن تكون حربنا  حربا صادقة ضد الصهيونية ذا أردنا أن نفصل بين بين الصهيونية والإستعمار وأن نتحالف مع الإستعمار أو نمالئ الإستعمار أو نمالئ الدول التي هي رأس الإمبريالية في العالم من جهة وأن ندعي حرب الصهيونية من جهة ثانية في الوقت نفسه ؟؟ هل يمكن إقامة حركة يسارية مناهضة للصهيونية داخل إسرائيل بين اليهود القاطنين في فلسطين والمهاجرين إليها مع إيمان بوجوب إقامة دولة صهيونية ؟؟ هل يمكن إقامة حركة يسارية مناهضة للصهيونية داخل إسرائيل يمكن  للحركات اليسارية التقدمية العربية مثلا أن تتحالف معها  وأن تقف ضد الصهيونية كعدو مشترك ؟؟ هل طبيعة الصهيونية النازية العنصرية العرقية الثيوقراطية المتعصبة المتغطرسة المعتدية التوسعية مجرد صدفة خلقت لأن  زعامات إسرائيل كانوا بن غوريون أو دايان وأن إختلاف الزعامة في إسرائيل وبالتالي تغير أشخاص الزعماء قادر على تغيير طبيعة الصهيونية أو إجراء تغيير أساسي فيها ؟؟ هل هذه الطبيعة صدفو أم من طبيعة الفكرة الصهيونية ومن طبيعة ولادتها في ظرف تاريخي معين وتحت شروط معينة ؟؟

إن  الجواب عن كلّ سؤال من هذه الأسئلة معناه في الواقع تحديد نظرتنا بالنسبة للعدو  وبالتالي تحديد أسلوب عملنا فهل يمكن أن نحارب من أجل تحرير الأرض قبل أن يكون في فكرنا وذهننا صورة ما عن أجوبة هذه الأسئلة ؟؟ فإذا كونت هذه الصورة أفليست  عندئذ  ما نسميه بالنظرية .

مثلا لو كان اليهود مجرد لاجئين هاربين من إضطهاد لكان حل مشكلتهم واضحا في الواقع عندما جاء اليهود بدفعاتهم

المزيد


الآفاق الإنسانية في فكر البعث ونضاله

فبراير 6th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

الآفاق الإنسانية في فكر البعث ونضاله

الأستاذ شبلي العيسمي

 

مع إشتداد النزعة القومية للدول الأوروبية في القرن التاسع عشر برز تسلط الطبقة الرأسمالية الرجعية وأخذ الإستعمار الأوروبي بالإنتشار والتوسع ثم ما لبثت الأفكار النازية والفاشية أن ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين داعية الى ما عرف بالتفوق العرقي والتمايز بين الأمم بل وبين أفراد الأمة الواحدة .

وفي أوضاع كهذه كان من الطبيعي أن يقع اللبس والتشويه في فهم القومية وأن يلتصق بها كثير من المعاني الخاطئة والسلبية كالتعصب والإنغلاق وإهمال الأهداف الإنسانية ويبدو أن بعض هذه المعاني تسرب بفعل العدوى والإقتباس الى معظم الفئات والأحزاب العربية التي كانت تدعو الى القومية قبل ظهور حزب البعث العربي الإشتراكي في مرحلة الأربعينات .

على أننا نستطيع القول بصورة عامة أن هذه الأحزاب فهمت القومية العربية فهما مجردا من محتواها الإنساني التقدمي الإشتراكي ولم تفطن لأهميته وضرورته بينما إهتم بذلك حزب البعث العربي الإشتراكي وأعتبره شرطا أساسيا فضلا عن أنه وعى تلك المفاهيم الخاطئة فنقدها وتجاوزها وأنفتح على تجارب الشعوب المناضلة ولم ينغلق على التيارات الفكرية المعاصرة ولكنه حرص في الوقت نفسه على الأصالة والتجديد في منطلقاته الفكرية وأبتعد عن النقل والتقليد . ومع أن الحزب كان يركز في مرحلة التأسيس على الفكرة القومية والحفاظ على شخصية الأمة العربية ومميزاتها وخصائصها كرد على إمعان الإستعمار الحديث في تجزئة الوطن العربي وتمزيقه وعلى نشاط المنظمات والأحزاب الأممية منها والإقليمية المناهضة للقومية العربية فإنه كان يصر على طرح القومية بمضمونها الإشتراكي الإنساني ويؤكد على الترابط العضوي بين القومية العربية والإنسانية ويرفض إصطناع التعارض بينهما إذ يرى فيهما وحدة متكاملة كالصورة التي لا تكون طبيعية إلا بتعدد ألوانها .وذلك في وقت كانت فيه الأكثرية الساحقة من المواطنين ترى أن العمل للوحدة ضرب من الخيال والوهم . فكيف العمل لأهداف إنسانية أشمل وأعمّ بمعنى أنه إذا كان من المتعذر في نظرها تحقيق الوحدة في ظل التجزئة والتخلف والسيطرة الإمبريالية فمن باب أولى أن يتعذر أي نشاط فاعل ومؤثر لدعم النضال الذي تخوضه الشعوب الأخرى من أجل تحررها وتقدمها . ومن هناك كان البعثيون الأوائل يوصفون بالمثالية والطوباوية بل كان بعض الناس ينظر الى أهدافهم ونشاطاتهم نظرة الإشفاق على الجهد الضائع والأهداف الخيالية ولولا ثقة الحزب المطلقة بسلامة أهدافه وصدق تعبيرها عن تطلعات الأمة ولولا إيمانه العميق بالطاقات الضخمة الثاوية في أعماق الجماهير والمناقضة لما هو طاف على السطح من أوضاع التخلف والفساد الطارئة لما إستطاع المضي في طريقه والإصرار على أهدافه القومية الإنسانية حتى النهاية .

ولعل العبارات التالية من مبادئ الحزب وأدبياته تبين لنا الآفاق الإنسانية في نضاله ومنطلقاته النظرية . فالمبدأ الثالث من مبادئ الحزب الأساسية التي وردت في دستوره لعام 1947 يؤكد أن رسالة الأمة العربية ” ترمي الى تجديد القيم الإنسانية وحفز التقدم البشري وتنمية الإنسجام والتعاون بين الأمم ولهذا فإن الحزب يعتبر الإستعمار وكا ما يمت له عملا إجراميا يكافحه العرب بجميع الوسائل الممكنة ويسعون ضمن إمكاناتهم المادية والمعنوية الى مساعدة جميع الشعوب المناضلة في سبيل حريتها كما يعتبر الحزب أن الإنسانية مجموه متضامن في مصلحته مشترك في قيمه وحضارته . فالعرب يتغذون من الحضارة العالمية ويغذونها ويمدون الإخاء الى الأمم الأخرى ويتعاونون معها على إيجاد نظم عادلة تضمن لجميع الشعوب الرفاهية والسلام والسمو في الخلق والروح ” .

وفي المادة الثانية من سياسة الحزب الداخلية يؤكد على أن الرابطة القومية تكافح سائر الصعبيات المذهبية والطائفية والقبلية والعرقية والإقليمية بينما يقرر في المادة الأولى من سياسته الخارجية ” أن رسالة العرب الخالدة ترمي الى المساهمة مع الأمم الأخرى في إ

المزيد


أبعاد نظرية البعث

فبراير 6th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

 

 الدكتور منيف الرزاز

 

  حينما تتحول كل مرحلة الى تغيير نوعي يجتاز الفكر البعثي الحواجز النوعية . المعطى الأساس أن تكون صيرورة الذات العربية حركة كلية وليس تراكما عرضيا لأجزاء التحول .

في ماضي المرحلة إكتسب البعث الهوية وإنتقلت الذات الى فاعلية التمييز  أما حضور البعث كحزب ؛ كحركة فإن الأفكار أصبحت منطلقات حيث إنتقل الفكر من مستوى المقولة الى مصاف الوعي بالهوية ( إكتساب شرعية الذات الكلية ) . أي أن قوانين البعث النضالية عرّفت بالدلائل العاقلة الفاعلة .

وبعد /

ماذا يقول  الأمين العام المساعد السابق لحزب البعث العربي الإشتراكي الرفيق الدكتور منيف الرزاز في الحوار الذي اجراه معه الرفيق حميد المطبعي .(**)

-1- نظرية البعث والمحتوى التاريخي :

دكتور منيف : خلال أحد عشر مؤتمرا قوميا (1947 – 1977 ) كان البعث يؤكد على أنه حركة تاريخية وأنه إستجابة للضرورة التاريخية وقد فهم بعض الكتاب السياسيين  أن هذا لمدلول إطلاقي يصل الى حد التعميم ؛ فما هو المغزى الحضاري الذي يقف وراء نظرية البعث في ضوء معطيات التراث العربي وحركة الثورة العالمية ؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد لنا من أن ندرك بادئ ذي بدء أن البعث ليست له نظرية مستعلية على التاريخ وليست له نظرية مستمدة من حوادث التاريخ وإنما هي نظرية مستلهمة  من الإنغماس الكامل في تيار التاريخ  ومن الإلتحام الواعي بمساره إنغماسا وإلتحاما  يتميزان بالتأثر بروح التاريخ وبالتأثير فيه فالبعث من جهة من صنع التاريخ أي أنه إبن الظروف الموضوعية التي تصنع التاريخ  وهو من جهة أخرى يصنع التاريخ  بمعنى أنه حين يمتلك ناصية الوعي الشامل لقوانين التاريخ  ولحركة التاريخ يتجاوز حكم الضرورة الذي يحكم  السائرين في التاريخ دون وعي كامل لحركته ويتمكن من التحكم بإرادة النضال الواعي ة . ومن هنا وصف الرفيق القائد المؤسس في خطابة الذي وجهه بمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيس الحزب إنطلاق الحزب بأنه الإنطلاق من الواقع الحي الذي كان يعني الإنطلاق من الحرية .

ومن أجل ذلك إرتبطت النظرية في الحزب بالنضال إذ يقول الرفيق القائد المؤسس : لقد إمتلك الحزب حسا واقعيا جعله يحرص دوما على أن يكون  حركة ثورية تقوم على الفكر لا مدرسة فكرية تبشر بالثورة والنضال.

ومن هناك فإن البعث ليس نظرية فحسب ولا هو حركة نضالية فحسب وإنما هو محصلة الإلتحام بين الوعي والحركة ومحصلة العلاقة الجدلية المتصاعدة بإستمرار بين النظرية والممارسة كل منهما يغني الآخر في حركة تفاعلية متبادلة نامية دائما متقدمة دائما.

إن ظواهر الإغتراب  التي فرضها الإستعمار على العربي  الإغتراب عن ذاته وعن  وطنه وعن تاريخه وعن إقتصاده وعن آماله وعن حقوقه وعن إنسانيته وظواهر العجز المطلق للحركة الوطنية البورجوازية الليبرالية - التي طرحت نفسها قائدة للنضال الشعبي ضد الإستعمار – عن التعبير تعبيرا كاملا وعميقا عن المحتوى الحقيقي لهذا النضال ؛ هذه الظواهر كانت الدافع الأول لولادة البعث حركة ونظرية وكان طبيعيا أن يكون السؤال الأول الذي يجب أن يتساءله وهو عميق الإلتحام بحركة التاريخ عميق التماس بتياره هو : من أنا؟؟ من أنا الذي أعيش هذا الواقع ؟؟ من أنا الذي أناضل ؟؟ ليأتيه الردّ حاسما في تحديد الهوية : أمة عربية واحدة .

فإذا ما تحددت الهوية كان لا بد أن تحدد المهمة الوظيفة الغاية التي تعمل من أجلها هذه الهوية وأن تتحدد في مواجهة  خصم أو خصوم محددين تاريخيا ولتحقيق أهداف محددة تاريخيا . فأستكمل تحديد الهوية غايته حين طرح البعث أن  ( الأنا) أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة  وأنا الخصم يتمثل في الإستعمار والتجزئة والكبت والإستغلال والتخلف وأن الهدف  يتمثل في وعي الأمة لذاتها وفي تحقيق إستقلالها ووحدتها وفي تحرير وطنها وإنسانها وفي بناء مجتمع إشتراكي لا طبقي ولا إستغلالي  وفي أداء رسالة إنسانية وحضارية .

ثمّ يستكمل البعث  كل نواحيه حين يحدد أسلوب نضاله بأنه أسلوب الثورة والإنقلاب وأن هذا الأسلوب ليس وجها ضد الخصم الخارجي فحسب بل الخصم الذي في أنفسنا في ذاتنا التي ورثناها عن عهود تخلفنا فهو إنقلاب في الذات وعلى الذات ومن جل الذات ليكون طريقا من أجل الثورة على  خصم التحديات الخارجية مؤمنا بأن كل نضال ضد التحدي الخارجي ينمي الإنقلاب الذاتي  وأن كل نمو في الإنقلاب الذاتي هو تصاعد في النضال ضد التحدي الخارجي .

إشتقاق البعث حضاريا :

وهكذا فإن وظيفة تحديد الهوية هي التي تحدد البعد التراثي وهكذا أيضا  يحدد إسم البعث معنى الإستمرار الحضاري في وجود الأمة فالبعث لم يسمي نفسه الحزب الديمقراطي أو الحزب الإشتراكي  أو الحزب القومي  مجتزئا من  التاريخ حضوره الآني وإنما سمّى نفسه بعثا دلالة على إستمرار تراث الماضي في الحاضر وعلى تضمن الحاضر رسالة المستقبل .

إن مجرد طرح سؤال ( من أنا )  لا يمكن إلا أن يتضمن التراث لأن ( أنا) ليست ( أنا) القائمة اليوم فحسب وإنما ( أنا) هي هذا الوجود القائم اليوم مصنوعا في إمتداد التاريخ فكما أن فلانا من الناس لا يمكن إلا أن يتضمن ماضيه في وجوده الآني  حتى ولو ثار على الماضي ولو أنكره أو أنكر بعض معطياته فكذلك الأمة لا تنطلق من فراغ ولا هي تبدأ من نقطة الصفر لا سيما إذا كانت أمة ذات تاريخ عريق ورسالة إنسانية وحضارة غنية .

ولأن البعث  حركة عربية تحررية تقدمية ؛ حددت أهدافها السلبية في القضاء على كل أشكال الإستعباد والإستغلال والكبت والعدوان وحددت أهدافها الإيجابية في خلق المجتمع الحر والإنسان الحر بتحرير الذات القومية والذات الإنسانية من الإغتراب الداخلي والخارجي ومن إستعباد الإستعمار وإستعباد القيود الإجتماعية وإستعباد  الآلة الحديثة فإن رسالته لا تقتصر على أن تكون رسالة خاصة به أو بالأمة العربية وإنما تشع رسالته لتعم الإنسانية كلها .

معنى تميّز الأمة العربية

دكتور منيف : هل ما يميز الأمة العربية هي كونها وجودا فحسب ؟؟ ثم هل رسالة البعث لهذه الأمة وحدها ؟؟

إن الأمة العربية ليست مجرد أمة من الأمم ؛ إن إمتدادها على وجه الأرض وموقعها الجغرافي المتوسط وإتصالها بكافة الحضارات العالمية وتاريخها الحضاري العريق  الذي إمتد من أقاصي العالم القديم  الى أقاصيه كل ذلك يجعلها بالضرورة متأثرة بالتطور الحضاري في العالم ومؤثرة فيه بشكل لا يكاد يتاح لأية أمة أخرى ويؤهلها لأن تؤدي رسالتها التحررية لا في وطنها فحسب ولا في العالم الثالث فحسب بل في العالم كله لأن تحرير الوطن العربي ووحدته يسكون قدوة  ومثالا للعالم الثالث وسوف يفقد الحضارة الغربية طابعها الإستعبادي والإستعلائي والإستغلالي وسيسهم في إنشاء عالم موحد تسوده علاقات تعاون وتكامل ويسوده السلام ويتحرر فيه الإنسان من كل أنواع الإستغلال والإستعباد .

ولأن البعث  حركة ثورية إنقلابية ولأن الوطن العربي بسبب ثروته النفطية وموقعه الإستراتيجي وأثر الأمة العربية الحضاري – أصبح آخر معقل من معاقل الإمبريالية فإن القضاء على الإمبريالية في هذا الجزء من العالم يعني القضاء على الإمبريالية من حيث هي وجود تاريخي ؛ إن كل حركة تحرر في العالم مناهضة للإمبريالية هي حليف للبعث في أداء رسالته والبعث بطبيعة نظرته الشاملة للتحرر العربي والتحرر الإنساني في آن معا حليف طبيعي لكل حركات التحرر في العالم . وإذا كانت الثورة الإشتراكية في روسيا عام 1917 قد وجهت أول ضربة مهمة للإمبريالية في تاريخها فإن الأمة العربية مؤهلة لأن توجه الضربة القاضية .

في المسألة القومية :

دكتور منيف : خاض حزب البعث العربي الإشتراكي صراعا فكريا متشعب الزوايا في المسألة القومية هل نستطيع أن نحدد مراحل هذا الصراع في ضوء جدل المجتمع العربي ومعطيات النضال القومي البعثي ؟؟؟

يجب أن نذكر أولا أن ولادة حزب البعث العربي الإشتراكي كانت في غمرة صراع جبار تخوضه الجماهير الشعبية ضد الإستعمار الإحتلالي في معظم الأقطار العربية ولا سيما في مصر والمشرق العربي وأن هذا الصراع كان قد توصل الى تحقيق معاهدات للإستقلال عقدتها مصر والعراق مع بريطانيا وعقدتها سوريا ولبنان مع فرنسا  ( وألغيت لعدم تصديقهما من البرلمان الفرنسي) .

هذه المعاهدات جاءت بشكل من الإستقلال بعد نضالات شعبية تولت قيادتها وزعامتها طبقة من  وجهاء البلاد أي من الإقطاعيين والملاك الكبار والمثقفين النابعين  في أكث

المزيد


حزب الثورة العربية القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق

فبراير 6th, 2009 كتبها مكتب الطلاب حزب البعث العربي الإشتراكي نشر في , الدراسات

حزب الثورة العربية

 القائد المؤسس أحمد ميشيل عفلق

ان مهمة اللجنة الأساسية(1)، في رأيي، هي تمكين الحزب، في المستقبل، ان يكون حزب الثورة العربية، لحد الآن حقق حزبنا هذا الشيء لحد ما، ولكن يجب على الحزب ان يصبح بالفعل وبدون منازع حزب الثورة العربية، ولكل الأمة العربية، فالمهمة الأساسية اذاً هي ضمان مستقبل الحزب. لقد قام الحزب منذ البدء على اساس هو: “الفكر اساس العمل” فعندما نضمن لحزبنا الاسس الفكرية، ونعمل على توضيحها وتعميقها وتطويرها حتى يقدر الحزب ان يستوعب حاجات المرحلة الجديدة في الثورة، في كل اقطار الوطن العربي او في المجتمع العربي الموحد الذي نسعى الى تحقيقه نكون ضمنّا استمرار التقدم المضطرد في الحزب.      

ان العمل الفكري في الحزب يجب ان ينطلق من المستقبل، وليس من الماضي او الحاضر مع الرجوع الى الماضي والحاضر، وهذا يتطلب تحديد معالم الثورة العربية بآفاقها القومية والعالمية كما يتطلب دراسة واقع المجتمع العربي دراسة علمية دقيقة بنواحيه الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والنفسية والعلمية والعسكرية.       

لماذا قلت حزبنا يجب ان يصبح حزب الثورة العربية؟.. لانه حتى الآن عجز عن ذلك ولكن يجب ان لا نستسلم، ان الحزب منتشر في الهلال الخصيب، اما انتشاره في المناطق الأخرى من الوطن العربي فضعيف. هناك ثغرة مخيفة لاتساعها واهميتها ودورها الثقافي والحضاري والمادي هي مصر، ان غياب حزب البعث عن مصر قد حكم على الوطن العربي بالتجزئة، حيث سيظل هناك قطبان: الحزب ومصر. هذه المسألة من أهم الاشياء التي يجب ان ينتبه اليها العمل الفكري في الحزب، ان المطلوب هو المعالجة الفكرية هذه المسألة وليس المطروح التفتيش عن تنظيم حزبي في مصر، المطلوب دراسة موضوعية عميقة للاسباب التي جعلت الحزب يعجز عن دخول مصر وللاسباب التي تجعل مصر متحفظة او سلبية من حزب البعث مهما تكن مزاياه، هناك الاسباب السطحية، ان الحزب لم يسع بصورة جدية، ولم تكن وسائله تسمح له بالتركيز على مصر.      

اما الاسباب الحقيقية فهي تكوين مصر الخاص، وهناك ايضا المغرب العربي الذي له طابعه الخاص ايضا، ان الحزب بحاجة الى دراسة واقع المغرب العربي.      

***

ان المرحلة الجديدة التي دخلتها الثورة العربية بعد حرب حزيران تتميز بميزات على الصعيد العالمي فهناك تبدلات عميقة تجري في الاسس الفكرية والعقائدية والاوضاع الاجتماعية والسياسية وفي موازين القوى في العالم.      

ان اول شرط لضمان مستقبل الثورة العربية ومستقبل الحزب الذي يقود الثورة هو ان نعرف وضعنا في العالم، اننا نشهد في السنوات الاخيرة تبدلات عميقة في المعسكر الشيوعي، هناك الانقسام داخل المعسكر، ووجود قطبين كبيرين فيه هما الصين والاتحاد السوفيتي واتساع الفوارق بينهما مع اختلاف في الاتجاه، ففي الصين اتجاه ثوري متطرف تتجاوب معه شعوب المجتمعات المتخلفة والمستعبدة والمهددة بالاستعمار بينما الاتحاد السوفيتي يخطو كل يوم خطوة نحو التقرب اكثر فاكثر الى الغرب ويبتعد عن واقع المجتمعات المتخلفة وهذا يعكس حقائق مهمة جدا بالنسبة لمستقبلنا، اين مصلحتنا؟ اين سنلاقي التجاوب ووحدة المصالح ؟..        

وفي الوقت الذي تتزعزع فيه الاسس  الفكرية التقليدية الشيوعية بشكل ينذر بان الشيء الذي سمي شيوعية منذ نصف قرن يصبح بعد 20 او 30 سنة شيئا من التاريخ، في هذا الوقت تظهر في الوطن العربي دعوات وبدع تحاول بعث الماركسية - اللينينية بحرفيتها وحذافيرها وكأنها كتاب منزل يحل لنا كل مشاكلنا.    

ان هذه الحقائق تعيدنا الى ماضي الحزب ومنطلقاته، فالحزب انطلق من منطلقات عميقة وناضجة، ولما لم  يتيسر لها العقول التي توضحها وتعمقها بقيت ادلة على الطريق. كان للحزب منذ بدايته نظرة ليست حدسية كما يقولون وانما ناتجة عن الدراسة والتتبع، وقد توصل الحزب الى ادراك “نسبية” الشيوعية كنظرية وبالتالي كتطبيق ونظام، اي ليست هي الشيء الذي ليس فيه خطأ، وانما كشيء نسبي وانها معرضة لان يتجاوزها الزمن، كان هذا واردا منذ السنوات الاولى للحزب، واحيانا كان هناك انفعال في التعبير عن هذه الحقائق لاننا كنا وجها لوجه مع احزاب شيوعية محلية كانت تجافي مصلحة البلاد وتتحدى فكان هناك انفعال، فلنطرح الانفعال جانبا، نجد هناك نظرة اعطيت حقها من الدراسة.      

والعالم الرأسمالي، هل هو الآن كما كان قبل نصف قرن ؟.. ما هي التطورات التي حدثت عليه؟.. عندما ندرس التطورات التي طرأت على الماركسية وندرس الاشياء التي اتت مخالفة لهذه النظرية، اي مخالفة للقوانين التي وضعتها، لا بد ان نكوّن فكرة عامة واضحة عن المجتمع الغربي في اوربا وامريكا، عن التقسيم الطبقي، والتطور العلمي والمراحل البعيدة التي وصلها والنتائج التي توصل اليها والتناقضات التي يعيش عليها.     

***

ان من اسباب نجاح الحزب في بدء الاربعينات وعند تأسيسه انه لم يعمل بأفق محلي ولم تقتصر نظرته على البلاد العربية، وانما كانت نظرة حضارية مستوعبة بشكل جيد الى حد ما اوضاع العالم ودرجة تطوره ونموه والقوى المخ

المزيد





مكتب الطلاب - حزب البعث العربي الإشتراكي  


قيادة قطر السودان