هولوكوست غزة : كيف نواجه الغزو الصهيوني؟
صلاح المختار
أُربط الفرس مطرح ما يقولك صاحبه
(اربط الفرس في المكان الذي يحدده صاحبه)
مثل فلسطيني
ربما يبدو التساؤل الذي صيغ به عنوان المقال غريبا الان لانه طرح منذ اقامة الكيان الصهيوني في عام 1948 ودارت حوله نقاشات وجدل عنيف انتهى بانقسام فصائل المقاومة الفلسطينية وليس الانظمة العربية فقط حول الاجابة عليه. هذا السؤال هو الاب الشرعي للانقسامات العربية منذ نهاية الستينيات، وهو السؤال المركزي والاساسي الان، ونحن نواجه هولوكوست غزة، في حين ان سيد الكيان الصهيوني ودرعه الاعظم ومصدر قوته الاول امريكا تقوم باكثر من هولوكوست في العراق، وتعد للعديد من الهولوكوستات في الاقطار العربية بلا استثناء، كما اكدت تجربة غزو العراق. وامام هذا السؤال يصبح السؤال التالي تابعا له، مع انه حاسم لايقاف المحرقة، وهو كيف نواجه هولوكوست غزة؟
ومن الضروري ان لا تغيب عن البال حقيقة حيوية وهي ان الحرب الحالية على غزة هي فرع من شجرة خبيثة ضخمة اسمها الاحتلال الصهيو- غربي الاستعماري والامبريالي لفلسطين كلها بشكل خاص وللامة العربية كلها بشكل عام.
لقد حذرنا، مرارا وتكرارا وعلى المستويين الشعبي والرسمي منذ الزيارة المشؤومة للسادات الى القدس، وازدادت تحذيراتنا قبل واثناء وبعد شن العدوان الثلاثيني على العراق في عام 1991، وقلنا، بالقلم العريض وبأعلى صوت ومن كافة المنابر، ان الحرب على العراق ماهي الا حادلة تهدم وتسحق ثم تمهد الطريق لتدمير الهوية القومية العربية والوحدة الوطنية لكافة الاقطار العربية، وتقيم على انقاض الاقطار العربية كيانات قزمة منغّلة ومنغولية تنتمي لصلات ما قبل الوطنية والامة والقطرية : القبيلة والطائفة والعرق والعائلة الممتدة والفرد الزعيم والايديولوجيا…الخ تطبيقا لسايكس – بيكو الثانية.
الان نحن نشهد، في هذا الظرف الخطير، تحقق ما حذرنا منه فهناك عمل جاد ونشط وشامل ومنظم بدقة، تقوم به عدة اطراف دولية واقليمية، لتصفية كل الملفات العربية المعلقة، او العالقة، منذ الاربعينيات، مثل مصير الضف الغربية وغزة واللاجئين الفلسطينيين، وتقسيم الاقطار العربية كلها، على اسس عرقية وطائفية، وبعد ان تشعل فتن مصطنعة في هذين الاطارين، وتذويب الهوية العربية لكل مكونات النثار المجهري الكياني الذي سينشأ، حسب المخطط اذا نجح تنفيذه، عن عملية التقسيم الشاملة لكل قطر عربي بلا استثناء، حسب نظرية كيسنجر المسماة (نظرية النثار)، وفرض الخيار الستراتيجي الصهيو- امريكي الاخطر وهو اقامة منظومة اقليمية جديدة سواء تحت تسمية (الشرق الاوسط الجديد)، او (الشرق الاوسط الكبير) او (الجامعة الشرق اوسطية)، والتي تضم، اي المنظومة، اسرائيل، بصفتها القوة الاقليمية الاساسية، وتركيا وايران، وبزعامة الولايات المتحدة الامريكية الكاملة، وستبدو الكيانات النثارية التي كانت اجزاء من اقطار عربية مجرد احتياطيات يستخدمها هذا الطرف او ذاك وكالايتام على مائدة اللئام.
ان هذه الملفات تفتح وتنفذ الان وما حرب الابادة على غزة الا خطوة ثانية على طريق تنفيذ هذه المخططات الاستعمارية بعد خطوة العراق، من هنا فان الحل الستراتيجي المطلوب يتطلب، بل يفرض، اعادة النظر في ستراتيجية الامة العربية لمواجهة هذه المخططات، وليس الاكتفاء بالدفاع عن غزة، وهو بالطبع الواجب المرحلي الاول لنا.
لعنة تزوير الميثاق الوطني الفلسطيني
من يظن ان الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية، خاص بالفلسطينيين ومنظماتهم واهم، لان منظمة التحرير تبنت واحدا من اهم ركائز الموقف القومي العربي الاصيل منذ بدات الهجرة اليهودية الى فلسطين وهو المحافظة على عروبة فلسطين ورفض محاولات الاحتلال الصهيوني لها عبر الهجرة المنظمة والكثيفة، ثم العمل على تحرير فلسطين من البحر الى النهر بعد غزو فلسطين في عام 1948. بهذا المعنى ما تبنته منظمة التحرير الفلسطينية كان الموقف العربي القومي الاصلي والاصيل، وكان الميثاق الوطني الفلسطيني تجسيدا له، خصوصا في النصوص المتعلقة بتحرير فلسطين كل فلسطين.
لقد ابتدأت كارثة الامة العربية والمقاومة الفلسطينية ببروز تيار فلسطيني في احضان انظمة عربية ارادت تصفية القضية الفلسطينية تحت تسمية (الحل السلمي) للصراع العربي – الصهيوني، وهو حل بدأ بالظهور العلني والرسمي عقب هزيمة الانظمة العربية في حرب حزيران عام 1967 ويقوم على ما اطلق عليه وقتها (مبادلة الارض بالسلام)، اي اعادة الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان وسيناء مقابل الاعتراف بالكيان الصهيوني. وكان القرار 242 الصادر عن مجلس الامن في عام 1967 هو الاساس (القانوني الدولي) لهذا الحل، وابتدأت عملية ترجمته بصيغة مشاريع كان اولها هو (مشروع روجرز) وروجرز كان وقتها وزيرا للخارجية الامريكية، وكان من بين اهم ما يجب ترجمته هو قبول انظمة عربية بقرار242 ومشروع روجرز والتعامل مع فلسطين والجولان وسيناء في اطاره وليس في اطار الموقف القومي العربي الاصلي، وهو رفض الاعتراف بالغزو الصهيوني والتمسك بهدف تحرير فلسطين!
قبل ظهور تيار الاستسلام الرسمي العربي، ثم في فصائل فلسطينية، باسم (الحل السلمي) كان اقصى هدف صهيوني هو الذي حددته غولدا مائير بقولها ان الهدف الاساسي لاسرائيل هو الاعتراف العربي بها وانهاء حالة الحرب معها.
ولكن : هل كان قرار 242، والقرار الاخر الذي صدر عقب حرب اكتوبر (عام 1973) وهو 338، والمشاريع التي دشنها مشروع روجرز، وما تلاه من مشاريع واتفاقات من الصعب حفظها كلها لكثرتها المتعمدة، خطوات على طريق (الحل السلمي والعادل والمشرف) كما وصف من قبل امريكا والكيان الصهيوني والانظمة العربية التي قبلته؟ ام ان (الحل السلمي المشرف) كان فخا تكتيكيا نصبته امريكا واوربا والكيان الصهيوني، مبنيا على نظرية كيسنجر القائلة بان (التفاوض هو الهدف وليس الوصول الى حل)، والتي وصفت بحق بانها نظرية (هدفها سرقة الوقت)؟ ان هذه النظرية تعني التفاوض مع تعمد امريكا والكيان الصهيوني واوربا عدم الوصول الى حلول، واستبدال المشاريع بين فترة واخرى، بعد سنوات من المفاوضات والاتفاقات الاولية، والبدء من الصفر لاجل خداع العرب وتخديرهم وشق صفوفهم والعثور على خيول طروادة عرب، والهدف النهائي هو تكريس الاحتلالات وتهويد فلسطين والجولان واستخدام سيناء لصالح الكيان الصهيوني وفرض الوجود الصهيوني المتفوق والمتحكم على العرب، تحقيقا للهدف والشعار الصهيونيين الاكبرين (ارضك يا اسرائيل من الفرات الى النيل).
الان وبعد اكثر من اربعين عاما على بدء ماراثون او للدقة فضيحة (الحل السلمي المشرف) وصلنا الى وضع حفرت قواعده على قطعة فولاذ تقول ما يلي :
1 – لم يعد الحل مشرفا على الاطلاق بل بدا بوضوح انه ليس حلا استسلاميا فقط، كما وصفناه في السبعينيات، بل اصبح عبارة عن عبودية كاملة للكيان الصهيوني تتضمن خدمته استخباريا وسياسيا واقتصاديا وليس التطبيع معه فقط، والاهم كان قيام انظمة عربية بالدور الذي كان يجب ان يقوم به هو وهو تصفية حركة التحر الوطني العربية واستنزاف الانظمة التي تبنت ستراتيجيات وطنية وقومية، واجبارها على خوض صراعات لم تكن تريدها ولا تخدم القضية وادت الى اسقاطها بالفشل (التجربة الناصرية في مصر)، او بالغزو (التجربة البعثية في العراق).
لقد كانت الخطوة الخطيرة التمهيدية في هذا الاتجاه هي تصفية، او عزل وتحييد، التيار الوطني في فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية وتوجت عملية التصفية الاستسلامية بتصفية العراق في عام 2003! لقد استبدل (الحل المشرف) للصراع بتحويل الانظمة العربية الى حراس للكيان الصهيوني رغم انه لم يرجع ارضا ولم يتوقف عن التوسع ولا تخلى عن طبيعته الصهيونية الاستعمارية!
2 - لم يعد الحل سلميا على الاطلاق بل اصبح حلا يعتمد الية واحدة ووحيدة : الاملاء الصهيوني واحيانا باسم امريكا وبقوة هراوتها، ومن يرفض يتعرض للاقصاء، في افضل الاحوال، او التدمير المنظم والشامل، انظروا الى العراق ماذا حصل له؟ وانظروا الى مصر وقد دمر اقتصادها وهددت وحدتها الوطنية.
3 – لم يعد الحل يقوم على (مبادلة الارض بالسلام)، كما قال قرار 242 وكل المشاريع التي طرحت حتى التسعينيات بل اصبح وبكل وضوح (السلام مقابل السلام)، اي الاعتراف العربي الكامل والشامل بالكيان الصهيوني، وتقديم كل ما يحتاج اليه لتعزيز كيانه وزيادة تفوقه على العرب، مقابل توقفه عن استخدام القوة ضد العرب فقط! اما الاراضي العربية المحتلة فانها اما تحيّد عسكريا لاجل ارجاعها كسيناء، وهذا يعني انها اصبحت ميزة ستراتيجية للكيان الصهيوني ولم تعد ميزة ستراتيجية لمصر مع انها مصرية! او تحول الى درع يحمي الكيان الصهيوني، كالضفة الغربية وغزة، فهما كانا يعدان لاقامة كيان فلسطيني مقزم ومحجم ومنغولي الهدف من اقامته هو جعل الكتل السكانية العربية فيهما وفي اراضي فلسطين التي احتلت عام 1948 عازلا بشريا فعالا بين الكيان الصهيوني، الذي سيتخلص من السكان العرب داخل اراضي عام 1948 ويقذف بهم الى الضفة والقطاع ويصبح كيانا يهوديا خالصا، وهذا العازل وظيفته الاساسية منع الاقطار العربية من مهاجمة الكيان الصهيوني بشكل مفاجئ نتيجة وجود عازل بشري عربي يفصل بين الكيان الصهيوني والاقطار العربية ويكون كجهاز انذار مبكر للكيان الصهيوني، او تصبح اداة مساومة وضغط كالجولان التي لن تعود الى سوريا الا بشرطين رئيسيين الاول تحييدها عسكريا كسيناء والثاني تقاسم مياه بحيرة طبرية مع سوريا!
هذا الحل يضمن للكيان الصهيوني ما يلي :
أ – ضمان امنه بشكل مطلق بعد تحييد المناطق الستراتيجية العربية، كسيناء في مصر والجولان في سوريا وام قيس في الاردن، ومنع استخدامها عسكريا ضده تحت اي ظرف. وبذلك يكون الكيان الصهيوني قد حقق اهدافا جيوبولتيكية خطيرة جدا كان يعمل من اجلها منذ قيامه.
ب – حمايته بعازل سكاني عربي فلسطيني عند حصول اي تغيير محتمل ضده، فوجود كيان فلسطيني مقزم واعزل في الضفة والقطاع هو درع بشري عربي يحمي الكيان الصهيوني، وفي حالات تغيير المعادلات فانه عازل يؤخر تقدم القوات العربية لمقاتلته ويوفر له زمنا للاستعداد لمواجهة الهجوم. اما اذا تقرر اعادة ضم غزة الى مصر، في اطار اتفاقية جديدة اخطر من كامب ديفيد الاولى، وضم الضفة الغربية الى كونفدرالية اردنية – اسرائيلية فان ما تبقى من الوجود الفلسطيني سينتهي ويدفن، ولن يكون هناك حتى كيان مقزم وخادم وظيفيا للكيان الصهيوني.
ج – ان اهم هدف حققه الكيان الصهيوني وامريكا من وراء خدعة التفاوض من اجل (حل سلمي) ويستحق منا تركيزا خاصا عليه لخطورته كان شرذمة الاقطار العربية على اسس عرقية او طائفية او دينية واقامة كيانات قزمة ومجهرية تبدو امارات الخليج العربي الحالية اكبر منها غالبا، وكل منها له هوية خاصة متنافرة مع هوية الكيانات التي كان يشكل معها كيانا قطريا واحدا، وينغمس في صراعات مستمرة معها حول الموارد او الاتجاهات الايديولوجية او الارتباط بدولة اقوى او التزعم او الخيارات…الخ. كنا، منذ السبعينيات تحديدا، في جبهة الرفض الفلسطينية والعربية نحذر من وجود المخطط الصهيوني التقليدي وهو تقسيم كل الاقطار العربية، دون استثناء، على اسس عرقية او دينية او طائفية، عودوا لقراءة ما كتبه الاسرائيلي عوديد ينون ستجدون هذا المخطط في اوضح صوره، وانظروا الى واقعنا العربي من المحيط الى الخليج العربي ستجدون ان ما حذرنا منه مبكرا لم يعد تاثرا ب (نظرية المؤامرة)، كما قال البعض مسخفا تحذيراتنا، بل اننا نرى الان المؤامرة تنفذ على الارض بكامل خطوطها و
المزيد